تحط الطائرة على مدرج مطار "كاللاكس" في مدينة ليليو في مقاطعة نوربوتن شمال السويد بعد ساعة وعشر دقائق طيران من العاصمة السويدية استوكهولم. نوربوتن هي اكبر وآخر مقاطعة من مقاطعات السويد الواحدة والعشرين. وتبعد درجتين عن خط العرض 67 الذي يمر في القطب الشمالي. تتميز هذه المقاطعة السويدية عن بقية المقاطعات بأنها العصب الاقتصادي والثقافي والتاريخي النابض لجسد مملكة السويد. فمن هنا يصدر الخشب السويدي الممتاز، وفي هذه البقعة الجغرافية توجد مناجم البرونز اضافة الى البقع الكبيرة من المحميات الطبيعية من انهار وغابات وبحيرات. نوربوتن ملتقى تاريخي لثلاثة شعوب هي شعوب المنطقة الأولى الذين يطلق عليهم اسم صامر وهم يشبهون بعاداتهم وتقاليدهم بعض شعوب الشرق والشعب الفنلندي المجاور والشعب السويدي الذي جعل من المقاطعة مركزاً اساسياً لالتقاء التكنولوجيا المتمثلة بجامعة ليليو وهي من اهم جامعات اوروبا للتكنولوجيا، والمحميات الطبيعية الواسعة والحضارات المختلفة. يشرح رئيس المقاطعة كاري ماركلوند ل"الحياة" ان "السويد تعتمد على المقاطعة التي اشغل فيها منصب رئيس وزراء محلياً، اعتماداً كاملاً في كل المجالات اذ اننا نشكل مورداً مالياً كبيراً لخزينة الدولة كما نتميز بطبيعة غير موجودة في اي بقعة من بقاع العالم. فهنا نشتهر بما نسميه شمس منتصف الليل". ويقصد ماركلوند الفترة التي تمتد من نهاية شهر ايار مايو حتى مطلع شهر آب أغسطس، وهي الفترة التي لا تغيب فيها الشمس عن تلك المقاطعة. ولمقاطعة نوربوتن ميزة عسكرية أيضاً، ففيها القاعدة الجوية التي تقام فيها اختبارات وتجارب على اهم صواريخ جو - أرض والطائرات الحربية الحديثة. يرفع حارس قاعدة كاللاكس الجوية العسكرية يده معطياً إشارة لسائق الحافلة ليدخل الى القاعدة الجوية التي يخرج من داخل مدرجاتها صوت طائرات "جاز غريبن" السويدية الشهيرة التي تتحضر للاقلاع التدريبي. ويشرح احد الضباط ان "طائرة جاز غريبن اهم من اف - 16 الأميركية لانها اسرع منها وأصغر حجماً ما يجعلها صعبة الانكشاف على أجهزة الرادار. ويقول الضابط ان العديد من الدول الاوروبية تجري تجارب على صواريخ جو - ارض انطلاقاً من قاعدة كاللاكس، ويضيف ضاحكاً: "كل الدول يمكنها ان تجري تجارب هنا، باستثناء العراق، هناك قانون سويدي لا يسمح لنا بأن نتعامل مع الدول التي تكون في حال حرب مع دول اخرى. اسرائيل على سبيل المثال لا تجري اي تجارب عسكرية هنا". على بعد ساعتين من القاعدة الجوية، قرب مدينة بيتيو التي تقع على الحدود مع فنلندا يوجد اكبر شلالات السويد الشلال الكبير. واللافت للنظر ان المنطقة التي يستخدم قسم منها للمناورات العسكرية اصبحت ايضاً منطقة ثقافية ومحمية طبيعية اذ ان كل المنطقة المحيطة بالشلال لم تتعد عليها بعد يد الانسان لتجعلها مناسبة لمشاريعه، بل حرص مجلس المقاطعة على ان يبني سدوداً ومطاعم ومسرحاً كبيراً في الهواء الطلق، متناسقة مع طبيعة المنطقة. في قلب تلك الطبيعة الخلابة تظهر خشبة مسرح كبيرة، عليها ثلاث راقصات يقدمن رقصة باليه. يشرح المنتج التلفزيوني برنت فيكلوند ان "هذا المسرح الذي يقع في قلب الغابات ويبعد عن كل ضجيج المدن تقام عليه سنوياً حفلات كثيرة لأشهر فناني السويد. لا توجد مدرجات لتجلس الناس عليها بل يقوم الزوار بالجلوس على التلال والصخور التي تحيط بالمسرح. والمميز ان المسرح شيد في قلب الوادي وهذا يسهل على الجمهور مشاهدة كل ما يعرض بسهولة". ويقول فيكلوند ان هذه المنطقة جذبت الكثير من منتجي الافلام لانها تتمتع بطبيعة تناسب التصوير السينمائي، "من اهم الافلام السويدية التي انتجت وصدرت الى العالم فيلم الصيادون الذي اخذ شهرة واسعة. وتم تصويره في هذه الغابات وبين تلك الصخور. وقبل تصوير الفيلم تردد المنتجون في السفر الى هنا لانتاجه لأن ذلك كان سيكلفهم مليون كورون إضافية. وبعد مناقشات بين اعضاء مجلس المقاطعة تمت الموافقة على ان يتحملوا الزيادة. لو فكرنا فيها من ناحية اقتصادية لوجدنا ان المقاطعة استفادت مادياً من تصوير الفيلم هنا. فهناك فريق عمل سينمائي كبير اتى من الخارج واقام في فنادق المنطقة لفترة اشهر". فكرة جذب رأس المال الى شمال السويد عبر الفيلم امتدت الى بقية المجالات التي تتعلق بالانتاج السينمائي. فمدينة بيتيو تستعد لاطلاق اكبر اكاديمية اعلام في اسكندينافيا خلال فترة قصيرة حيث سيدرس فيها كل ما يتعلق بالصوت والصورة والمسرح والصحافة والاعلان وكل شيء يتفرع من تلك المجالات. ويقف وراء اكاديمية الاعلام الدولة السويدية ومقاطعة نوربوتن وشخصيات تريد احياء تلك المنطقة البعيدة. ونوربوتن تتمتع بمساحة جغرافية واسعة تفوق مساحة لوكسمبورغ وهولندا وبلجيكا مجتمعة. وتستعد المقاطعة لاحتلال مركز متقدم في مجالات التكنولوجيا والفن والاعلام والثقافة بمساعدة ما يطلق عليه اسم "مشاعل" اي اشخاص يقدمون خدماتهم فقط من اجل احياء المنطقة. احد هؤلاء الاشخاص رجل ثري ومتقاعد ساعد في احياء السياحة في المنطقة بعدما تبنى مشروع اعادة احياء اكبر مجمع سياحي مسبح بحر بيتيو الذي يستقبل اكثر من 750 الف سائح سنوياً. المميز في المشروع انه تمكن من استغلال طبيعة المنطقة وحول الجليد والثلج الى عوامل مفيدة للسياحة. فالقيمون على المشروع يستغلون قسماً من بحر البلطيق الذي تقع على طرفه المدينة والذي يتجمد فترة الشتاء، من اجل اقامة نشاطات تتعلق بالتزلج على الجليد وممارسة رياضات منها قيادة دراجات الثلج وما شابه ذلك. ويستخدمون وسائل نقل قديمة تجذب السياح منها العربات التي تجرها الكلاب او حيوانات الرنة الموجودة بكثرة في تلك المنطقة. مقاطعة نوربوتن غير المعروفة كثيراً على المستوى العالمي، تشبه الغابة غير المكتشفة من الانسان والمليئة بالمفاجآت.