تتميز العولمة بجملة من التغيرات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والثقافية. ومن المتوقع ان هذه التغيرات سوف يكون لها آثار نفسية على صعيد الفرد والمجتمع. وإذا أخذنا التغيرات التقنية في وسائل الاتصال والمعلومات مثلاً... فإننا نجد عدداً من الصفات والسلوكيات التي تميزها... 1- الاتصال بالآخر: تتيح تقنيات الاتصال الحديثة مثل الإنترنت والبريد الإلكتروني والهاتف الجوال الاتصال بالآخر وبسرعة فائقة ما يؤكد اهمية الاتصال بالآخر والتعامل معه... ومن الممكن تسمية ذلك ازدياد "أهمية التواصل" بين البشر... ولكن في الوقت نفسه نلاحظ ان هذا الاتصال يبقى "فضائياً" وليس مباشراً. كما يلاحظ ان هذا الشكل من الاتصال يطغى على اتصال الفرد المباشر والحميم بالآخر مما يمكن له ان يجعله هامشياً وثانوياً. 2- الفردية والذاتية: تتميز تقنيات الاتصال الحديثة بأنها تنمي الفردية والذاتية... وهي تمنح المستخدم لها قدرات على التحكم بضغط الأزرار وبسرعة والتنقل من موضوع الى آخر الى موقع الى أشخاص... وفقاً لمزاج الفرد وتفكيره وإرادته. كما ان اسم الفرد وعنوانه ورمزه الخاص به يظهر على الشاشة ويتداوله الآخرون... وفي ذلك اعتداد بالذات وإرضاء للفردية والنرجسية والأنا... وتعزيز وتضخيم لها. وفي الوقت نفسه تتيح التقنيات نفسها إمكان التنصت على ما يكتبه الفرد أو يقوله أو يخزنه في جهازه الشخصي الكومبيوتر... وأيضاً إمكان التدخل في بريده الشخصي وإغراقه بمعلومات قد لا يحتاج إليها... إضافة الى إمكان حدوث تخريب لجهازه الإلكتروني والأذى الذي يمكن ان يلحق به. كما أن سرقة بطاقات الائتمان واستخدامها غير الشرعي يمكن ان يؤدي الى خسائر مادية كبيرة. وهكذا يشعر الفرد ظاهرياً أنه مستقل وحر ويتصرف كما يريد مضخماً وهم الفردية والنرجسية ولكنه في الوقت نفسه معرض للتدخل والاجتياح. ومن المتوقع ان يؤكد ذلك قيماً وصفات سلبية مثل القلق والحذر والشك وعدم الأمان. 3- التنافس والمغامرة والربح: تفتح العولمة بجوانبها الاقتصادية والتقنية الباب على مصراعيه امام التنافس وإمكانات الربح والمغامرة الاقتصادية والاجتماعية والعملية... ولكن في الجهة الأخرى نجد أن الربح السريع والمصادفة الناجحة والحظ لا يستمتع بها إلا قلة... ويبقى القانون الاقتصادي هو "التحكم بالأرباح الكبرى من نصيب الشركات الكبرى". ويبقى وهم الفرصة السانحة يستهوي الفرد ولكن من المتوقع ان يصيبه بالإحباط وخيبة الأمل والكوارث أيضاً بعد التجربة والمعاناة. 4- الصدمة الثقافية: تمثل تقنية الاتصالات ثورة هامة في مجال الثقافة والمعلومات والقيود المفروضة عليها تبقى محدودة. ويمكن لهذا الانفتاح المعرفي والثقافي ان يكون له آثار إيجابية... إلا أنه يمثل صدمة ثقافية وتربوية للكثيرين، مما يعني اهتزاز القيم والأفكار والثوابت التي يحملها الإنسان، ويسبب ذلك قلقاً وتناقضاً لا يسهل فهمه والتعايش معه من قبل الفرد، وربما يجعله سلبياً يتقبل كل شيء ويتصالح مع مختلف القيم والأفكار وأساليب العيش، وربما يجعله اكثر تعصباً ونكوصاً وتطرفاً وعودة الى الماضي، وبين ذلك خيارات واحتمالات اخرى متنوعة ومنها الشعور بالنقص والضعف ونقد الذات والشعور بالعجز والاكتئاب والفقدان. 5- استيراد وتصدير الأمراض الجسمية والنفسية والاجتماعية: تستدعي العولمة فكرة "القرية الكونية الواحدة" بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضاً المرضية. ومن الملاحظ ان تبادل الأمراض المختلفة اصبح أكثر شيوعاً بين مختلف الشعوب، ويحدث ذلك بسبب العدوى والتقليد والتأثر وغيره من خلال تبادل المنتجات. ومن المتوقع ان المجتمعات الأكثر تطوراً يمكنها ان تتعامل بشكل افضل مع مثل هذه المشكلات بحكم إمكاناتها، وتبقى المجتمعات النامية اكثر عرضة وتأثراً. كلمة اخيرة، لا يمكننا اتهام التطور العلمي والتقني بمخاطر العولمة ومساوئها، والعلم وسيلة بيد الإنسان والمجتمع يمكن ان يستخدم في سعادة البشر، كما يمكن ان يستخدم في غير صالحهم، ولا بد من القول إن العولمة تحمل في داخلها تناقضاتها وصراعاتها، ولا بد من التعامل مع الواقع والظروف المعاصرة. * طبيب نفسي، مقيم في جدة.