حين يسفر العنف عن وجه عارٍ، فيبدو الفعل العنيف صادراً عن طبيعة محض، أو خارج خالص، لا يُدرجان في معنى انساني أو حادثة إنسانية تحتمل الرواية، تشبه الآراء في الفعل العنيف حركات الغريق المستغيث. والآراء في قتل المتهم علي محمد قدور اثنان وعشرون عاماً الولد أحمد الصيداوي ثمانية أعوام، عند رصيف البحر بمدينة الميناء الطرابلسية في آخر أسبوع من أيار مايو المنصرم، بعد اغتصاب المتهم الولد قبيل قتله ثم بعد قتله. هذه الآراء في الحادثة المروعة، وغداتها، تنم بعسر تناول الحادثة، بل بامتناع التناول، إذا استعصى حملها على دواعٍ مفهومة وأليفة، من نوع دواعي الحياة اليومية والسائرة في مجتمع من الناس أو جماعة. فيومها ذهبت آراء الجمعيات الأهلية المختلفة، وآراء أعيان البلد ورؤسائه، الى نعي "الطفولة"، قبل نعي الولد أحمد الصيداوي، ونسبت جريمة المتهم الى "العدوان" الحيواني، والى الحيوانية، قبل نسبتها الى قاتل ومغتصب مخصوص. فكأن تصوير القتل والاغتصاب في صورة تَقابلٍ بين معنيين مجردين، يمثِّل كل معنى منهما على تمام خلقته، يستوفي العبارة عن الحادثة ويلم بها إلماماً شافياً. ولكن سرعان ما يثبت خلاف الأمر. فالمعنيان المجردان يتركان خارجهما الحادثة كلها، ويتركان أصحابَ الحادثة ومن لابسها من قرب أو من بعد، والمواضعَ التي تنقلوا بينها. فتصوير القتل والاغتصاب، على النحو الذي حصلا عليه، في صورة التقابل المجردة، يقتصر على تكرار الحادثة، ولا يتعدى ترجمتها الى مجاز معنوي فقير. وهو، أي التصوير المعنوي، أقرب الى الجهر بقصور الكلام والرأي عن تناول الحادثة، والدخول في دائرتها، وقصورهما عن توهم جواز صدورها عما قد تكون صدرت عنه. ولعل قول أم الولد رغبتها في تمزيق قاتل ولدها بأسنانها، ثم طلبها في اليوم التالي أن يُقتل على نحو ما قتل هو ولدها، وأن يفعل فيه ما فعل هو في ابنها، وبالمكان نفسه، عند الرصيف البحري - لعل هذا القول بدوره لا يصنع غير ترديد الحادثة وتكرارها كذلك. فهو يدعو الى ترجمة القتل والاغتصاب قتلاً واغتصاباً. ولكنه يدعو الى ترجمة مادية وحسية، عوض الترجمة المعنوية ومحلها. وفي كلتا الحالين ليس ثمة ما يزيده القول أو الفعل إلا محاكاتها، والنسج على منوالها، وإثباتها في نفسها لازمةً من غير تعدية. فإذا صارت الحادثة نفسها في عهدة القضاء والعدالة، أو في عهدة أولى مراحلهما ورعاية قاضي التحقيق الأول، لم يصنع هذا شيئاً غير ما صنعته الجمعيات وأم الولد. فيروي قاضي التحقيق نص القرار الظني في "النهار" اللبنانية، في 7 حزيران / يونيو الخبر على مثال خطابة ترمي الى اقناع "المحلفين" المفترضين، وهم الرأي العام، بإقدام معنى الحيوانية عمداً على انتهاك معنى المَلَكية. فينسب القاضي، السيد صلاح مخيبر، الحادثة الى "حكايا المكان"، وليس الى الزمان الإنسي والبشري، ويرى اليها قرينة على "تسلل يد القدر من بين موج البحر الهادىء" الى الناس ونوازعهم واجتماعهم. وعلى هذا تصطف في باب، أو مصف، أول، "براءة الأطفال"، و"اللهو" و"الأتراب" و"الإغفاءة في الحضن"، و"العطف" و"المحراب" و"الصفاء والطهارة" و"الجسم الندي" و"حدس الأم الذي لا يخطىء"، و"السهر على الأمن" و"الدفاع عن النفس" و"الملاك الصغير"" وتندرج في مصف ثان مقابل، ونظير المعاني الأولى، "الصور البشعة"، و"الانتهاك المألوف" و"الاستدراج بالحيلة والخدعة" و"الذئب" و"الذبح" و"المخالب" و"التمزيق" و"الشراسة والتعذيب" و"الوحشية" و"التعمد" و"الكذب". ولكن ولي العدالة الإنسية لا يسعه الحكم في "القدر" ولا مقاضاته أو تهمته والظن فيه. فينبغي له أن يقع على نظير للقدر، أو شبيه له، يحاكيه ويساويه تجريداً وتماماً واستيفاءً واستغلاقاً. وشبيه القدر هذا هو أداته وآلته، أي القاتل أو المظنون في القتل. والقاتل قاتل كله من غير بقية قد تنم ببعض الغيبة عن النفس، أو ببعض الشقاق فيها والنفرة بين أبعاضها. ولا يخشى القاضي ألا يستبقي وصفه الجريمةَ، والمجرمَ المفترض، أمرءاً إنساناً يُسأل عن فعلته ويتحمل التبعة عنها. فتُركبه الاستعارة الحيوانية والسبعية مركباً قد لا يستقيم مع معايير العدالة والقضاء الإنسيين. فيكتب: "... وساق الذئبُ الطفلَ الى الذبح وغرس في جسمه الندي مخالبه فمزق أجزاء منه...". والقاتل المفترض، في كل أحواله، "بكل وعيه"، و"حديثه طبيعي، وكلامه متزن" بعد تناول الكحول لتوه، ويأتي من الأفعال ما لا يأتيه "من كان سكراناً وفاقداً وعيه واتزانه". والقاتل المفترض رقيب يقظ على أفعاله وحسيب عليها، فيكذب متنصلاً من فعلته، وينسب فعلته، مدركاً، الى السكر، ويقتل خشية افتضاح أمره، ويتظاهر بالتفتيش عن قتيله تمويهاً وإبعاداً للظنة، ويعثر على جثمان الولد ويحمله مبالغةً في التمويه والخداع. ثم يعترف "طوعاً"، ومن غير إكراه، بفعلته، حال قول ولد آخر من أصحاب القتيل وأترابه، أنه رأى صاحبه الولد في صحبة المتهم قبيل وقت الجريمة. وهذا الوصف لا يترك موضعاً لظل. فإذا كان "القَدَر" عماية كله، وإبهاماً، فآلة "القدر" على قدْر كبير من الجلاء والقصد والإرادة، فلا يُفهم مع هذا القَدْر من الجلاء، لماذا انتظر "الذئب" اثنين وعشرين عاماً ليقتل، وكيف انطلت ذئبيته على والدة الولد القتيل، ولم "يخطر في بالها من قبل أن من عطفت عليه بالمأكل والمشرب وغسل الثياب، تسلل الى محرابها، واستدرج بالحيلة والخدعة طفلها...". أو ينبغي افتراض أن "القدر"، إمعاناً في التنكر والتقنع، اختار، على حين غرة، وفي غفلة من آلته نفسها، علي محمد قدور قاتلاً ومغتصباً، من غير تمهيد ولا سابقة ولا علة أو ما يشبه العلة. ومن هذا شأنه يتحمل التبعة تامة وكاملة عن فعلته، ولو خلت فعلته هذه من أضعف علة. وتعليل ارتكاب امرئ جريمة تنتهك معايير الإنسية، بل التأنس يذكِّر إسماعيل كاداريه، الروائي الألباني الكبير، في صدد تمثيل بعض الصرب بجثث ألبان كوسوفو وتقطيعها وحرقها، برجاء هكتور، الطروادي، آخيل، اليوناني، ألا يمثِّل في جثته بعد مقتله، فيجعل من حرمة الجثة مبنى من مباني الاجتماع - هذا التعليل لا مناص له من الجمع بين حدين متنابذين، الحد الأول يقتضي اثبات انسانية المجرم، وإلا لم تجز العدالة، ولا جاز القضاء، واستوت تبعة القاتل و"تبعة" الحجر الذي سقط على رأس عابر الطريق، واحداً، وحقَّ النفي في القاتل وفي الحجر، على ما كان الأمر عليه في بعض الفقه والشرائع القديمة. ويدعو الحد الثاني الى نسبة المجرم، وإنسانيته، الى الشبهة والخليط والمزاج. فذهب آندرسون، روائي "الدكتور جايكل ومستر هايد"، الى أن جايكل يتألم لما يأتيه هايد، "المولود" منه، من فظائع، "لأنه مختلط ومركب" من إنسية وحيوانية. أما هايد، البسيط الجوهر، فلا يعرف الألم ولا الندم ولا الرجوع في ما يفعل ويصنع. وكان على العدالة المحدثة، أو الحديثة تلك التي نشأت عن الثورة الديموقراطية الأوروبية والأميركية، أن توجب للمجرم، بعد المجنون والمدخول، "نفساً"، أو دخيلة وطوية وحياة نفسية، على ما نقول. بل هي "صنعت" للمجرم "نفساً"، على زعم ميشال فوكو مؤرخاً المصح العقلي ثم السجن، لتسوِّغ محاسبة هذه "النفس"، والاقتصاص من أفعالها، وإصلاحها من طريق عزلها وتسليط طبابة آلية أو "كيميائية" أو معنوية واجتماعية عليها. ف"النفس"، على هذا، إنما هي وليدة أعمال المحاسبة والاقتصاص والإصلاح، وهي محصلتها وثمرتها، وليست موجوداً قائماً بنفسه وفيها ينتظر، منذ القدم، التنبه عليه واكتشافه وعلاجه. ويتولى القضاء والسجن والاعتقال والتوقيف والتحقيق والنظارة وشهادات الخبراء من آلاته وأجهزته - إنشاء "النفس" ورعايتها، ويوكل الى الطب النفسي، وعلماء النفس، والتحليل النفسي، تدبيرها وسياستها أو سوسها، أي تطويعها. وعلى خلاف هذا المذهب حملت غلاديس سوان، ومعها مارسيل غوشيه الفرنسيان، "علم الجنون"، الموضوع على "صاحب الجنون" أي على نفس المجنون، على الثورة الديموقراطية، وعلى أيجابها المساواة بين المواطنين جميعاً، ثم بين المجتمعات، ثم بين الجنسين، ثم بين الإعراق والشعوب، ثم بين الأعمار، وفي نهاية مطاف لا نهاية له بين أطراف "عقد طبيعي" يتعاقد عليه كل ما يصدر عن الطبيعة، على معنى البيئة والنظام البيئي. فالمجنون، على هذا، لا يزول عن منزلة المعنى مهما شطت به الحال وتطرفت. ونشأ طب النفس، على زعم سوان وغوشيه، عن رصد ظهور المعنى، والفهم والإبلاغ معه، في قول المجنون وفعله، وعن دخول المجنون وإدخاله، في الإنسية، من باب المعنى وباب علائق المجنون وأواصره بالمعنى. ويرتب هذا على القضاء، وعلى أصحابه وأهله وأجهزته، تناول الجرائم وأصحابها، من باب ضيق وصعب، على ما يرى في كل يوم. وآخر هذه الأيام اللبنانية قتل القضاة الأربعة بصيدا في 8 حزيران يونيو الجاري وقبله بقليل، وبعده، مقاضاة المجندين في "جيش لبنان الجنوبي" الذين اختاروا البقاء في جزين وبلادها بعد جلاء القوة العسكرية عنها - وهؤلاء سموا تارة "عملاء"، وتارة ثانية "متعاملين" ثم سموا "لحديين" قبل أن يسموا "مستسلمين"، وتنقل التسمية قرينة على اضطراب الصفة التي يلتمس أهل الصفات إرساء هؤلاء عليها. فعلى نحو نفي قاضي التحقيق الأول قاتل الولد أحمد صيداوي من الزمن والاجتماع والإرادة الى المكان والقدَر، ثم ادخاله في مِلك النفس التام، ترجحت الآراء في قَتَلة القضاة بين اخراجهم من معنى لبنان الى الموساد الإسرائيلي، أو المخيم الفلسطيني، أو "الجزر" الأمنية، أو الإسلاميين... وبين إدراجهم في الرد على "قانون" السيد اميل لحود، رئيس الجمهورية اللبنانية، وعلى سياسته الساعية في تحكيم القضاء وأجهزة الرقابة في الانتهاكات والمخالفات الإدارية والمالية. ويطلق الترجح هذا العنان لتأويل القرائن الواحدة. فلحيتا القاتلين وجلابيتاهما والبندقيتان الآليتان الروسيتان وقذيفة "تاو" إما تنم نميمة جلية بمجيئهما من مخيم فلسطيني قريب وعودتهما إليه، أو تدلان على مهارة التضليل وإرادة التشبيه على المحقق. ولا ريب في أن الوقوع على معنى الجرائم العامة والسياسية أيسر علينا بكثير من تأويل أو تعليل الجرائم "الخاصة"، أي تلك التي لا يظهر للتو بينها وبين جماعة من الجماعات نسب مفهوم. فيكفي، في الجرائم العامة، إدراجها في سلسلة حوادث جارية، مثل "الفرحة بعودة جزين" أو "انتصار المقاومة" أو "أعياد التحرير" أو "استعادة الدولة هيبتها"...، أو إدراجها في تأويل هذه الحوادث، حتى يستوي معناها تاماً ومفهوماً، قبل التحقيق القضائي وربما بعده. وقد يكون مرد الأمر الى أن شٍِاق الجماعات، وحربها بعضها على بعض، أيسر على فهمنا وتناولنا من شقاق النفس الواحدة والجماعة الواحدة، وقيام بعضها على بعض، ووراثتها من تاريخها وحوادث هذا التاريخ انتهاكاً يعصى الإدراج في "الحق"، وفي فتحه بين المرء وبين "قومه". * كاتب لبناني.