هناك في مكتبتي الخاصة الصغيرة في لندن نسخة بالانكليزية من كتاب كارل ماركس "رأس المال" حملتها ضمن مجموعة مختارة من الكتب كانت في مكتبتي القديمة في بيروت. وعندما ذهبت للاقامة في واشنطن حملت الكتاب ضمن مجموعة مختارة اخرى الى العاصمة الاميركية، ثم عدت بهذه الكتب الى لندن. واعترف اليوم بأنني لم أقرأ "رأس المال"، بل لا أذكر لماذا اشتريته، مع ترجيحي ان السبب له علاقة بالدراسة في الجامعة. وبما انني نجحت وسقطت الشيوعية في الامتحان، فواضح انني لم أخطئ في عدم قراءته. مع ذلك، وضعت "رأس المال" قرب السرير، وأنا أقرأ سيرة جديدة لحياة كارل ماركس من تأليف فرانسيس وين، فقد رجحت ان احتاج للرجوع اليه. غير انني احتجت ولم أفعل واكتفيت بالسيرة الجديدة الممتازة. ماركس ولد سنة 1818 لأبوين من الطبقة المتوسطة. وكان والده في الأصل يهودياً تحول الى المسيحية، الا ان كارل نفسه بقي بلا دين. ومع ذلك فقد كان مثلاً على "اليهودي الكاره نفسه"، وله مقال مشهور بعنوان "المسألة اليهودية" يفيض عنصرية، كما انه انتقد اليهود الذين مروا به في حياته الخاصة، حتى انه وصف المفكر الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال بأنه "زنجي يهودي". كان كارل ماركس ايضاً "بورجوازي كاره نفسه"، فهو ولد في الطبقة البورجوازية، وحاول جهده العيش ضمنها على رغم انه لم يتقن كسب المال الذي تحدث عنه طيلة حياته. ولولا وجود صديقه الثري فردريك انغلز الى جانبه لكان أصبح من تلك الطبقة الفقيرة المسحوقة التي حذر من ان النظام الرأسمالي يفرزها، وانها ستقود الثورة ضده. انغلز كان يساعد ماركس بحوالى 300 جنيه في السنة، وهو مبلغ يزيد اضعافاً على ما كان يكسب العمال في مصانع النسيج التي كانت اسرة انغلز تملكها في مانشستر. وهكذا عاش ماركس على حساب رأس المال الذي استهدفه بكتابه، فكان لا يعمل ليعتاش، وانما يقضي ساعات طويلة في المكتبة البريطانية، ثم يعود الى أسرته في منطقة سوهو. هناك الآن لافتة صغيرة على شقة في شارع دين، في سوهو، تقول ان كارل ماركس أقام فيها. وقد تغيرت المنطقة كثيراً عنها في القرن التاسع عشر، لأن شوارع سوهو تحفل الآن بالنوادي والمسارح ودور السينما، فهي قلب الحياة الليلية في لندن. غير ان كارل ماركس لم يكن من طلاب السهر، فهو اذا تعب من البحث في المكتبة عاد الى أسرته التي يؤكد المؤلف وين انها كانت تحظى برعايته الكاملة، وقد أحبته بناته لمرحه وذكائه، فقد كان يتقن لغات عدة ويعتبر مرجعاً في شكسبير وهيغل. كان ماركس يعرف أشياء كثيرة ليس بينها صنع المال لنفسه، وهو عندما توفي لم يخرج وراء نعشه غير 12 شخصاً، ودفن في هايغيت، بشمال لندن، حيث لا يزال الشيوعيون والفضوليون يقصدون قبره. أغرب ما وجدت في ماركس ان نظرياته الاقتصادية سقطت، وان توقعاته عن فقر العمال حتى الجوع في ظل النظام الرأسمالي فشلت، فالعمال اليوم افضل وضعاً بكثير مما حلم به ماركس لنفسه قبل قرن من الزمان. ومع ذلك، لا يزال الرجل موضع إعجاب كثيرين، وعندما أجرت هيئة الاذاعة البريطانية استفتاء عن مفكر هذا القرن كان كارل ماركس هو الفائز، مع انه توفي سنة 1883. وربما كان سبب اختيار الناس له تأثيره في هذا القرن، أكثر من حياته في القرن الماضي. وهو فعلاً صبغ هذا القرن بأفكاره، الا ان القرن لم ينته حتى كانت الشيوعية فشلت وسقطت سقوطاً لا قيام بعده، لذلك يمكن ان نقول اليوم ان القرن القادم لن يحمل بصمات كارل ماركس بأي شكل، والأرجح ان تكون نبوءتنا هذه اكثر صدقاً بكثير من نبوءات ماركس عن العمال ورأس المال. كتاب وين عن كارل ماركس يستحق القراءة، أو ان نصفه يستحق القراءة، فإذا تجاوز القارئ النصف الماركسي، يبقى النصف الآخر عن الرجل نفسه، واسرته وصداقاته وعداواته، وانتقاله من المانيا الى انكلترا وفرنسا، واسرته وفقره. وعلى الأقل فالمؤلف اعطاني سبباً اضافياً للاعتراف بعدم قراءة "رأس المال" فرئيس وزراء بريطانيا هارولد ولسون صرح سنة 1967، في الذكرى المئوية الأولى، لصدور "رأس المال" بأنه لم يقرأه. وهذا تصريح مهم من رئيس وزراء اشتراكي حصل على تقدير ممتاز من اكسفورد وهو يتخرج حاملاً شهادة في السياسة والفلسفة والاقتصاد، تعتبر من أهم ما توفره الجامعة الكبرى لطلابها. طبعاً هناك رجال غير ولسون صرحوا بعدم قراءة "رأس المال"، ولا اعتبر عالم الاقتصاد بول سامولسن بينهم لأنه نصح بعدم قراءة الجزء الأول من الكتاب كله، ما يعني انه قرأ بقية الاجزاء. في النهاية، يبقى كارل ماركس شيوعياً تقليدياً على رغم سقوط أفكاره، فهو عاش فقيراً على حساب صديقه انغلز ما يثبت نهائياً ان الشيوعي انسان لا يملك شيئاً ويصر على ان يشاركك به.