ينتهي فالتر بنيامين من فحصه عن الحياة البرلمانية إلى ملابستها بدورها العنف، متذرعاً إلى ابتداء المقترعين والناخبين نظاماً حقوقياً جديداً في الأوقات الحاسمة "الحياة"، "أفكار" 9 حزيران / يونيو 1998. لكنه لا يخلص من هذا إلى نفي جواز علاقة لا يلابسها العنف، وهي علاقة لا تزعم الابتداء، على ما يترتب من الجمع بين النازع إلى الإبتداء، وإرادة الابتداء، وبين العنف. وفي هذا المعرض لابأس بملاحظة صفة "الجديد" وشيوعها في الحركات الثورية، اليمينية المحافظة واليسارية على السواء: فالنظام "جديد"، والحياة "جديدة"، والمجتمع "جديد"، والأدب "جديد"... وذلك قبل التجديد العام واليومي الذي بثته رأسمالية منتشية بقوتها، منذ العقد السابع، في كل دقائق الحياة وتفاصيلها. فيقرر بنيامين واقعة "وفاق ]أو تواضع[ من غير عنف" في كل مرة يتاح فيها لپ"ثقافة القلب الإنساني" أن تكون مصدر ضبط على معنى ضبط الأوتار أو الصوت بوسائل خالصة. ويحمل صاحب "نقد العنف" القلب على معنى قريب من معناه الصوفي. فهو صدور، أو فعل، من غير وسائل أو وسائط. فإذا أنشأ مثل هذا الفعل ضبطاً، أي تناغماً أو وزناً شعرياً أو موسيقياً، لم يتوسل إلى إنشائه إلا بوسائل "خالصة"، أي مطهرة من القسر مثل اللطافة والرفق والإنعطاف والثقة والمسالمة. وتدخل هذه كلها تحت شرط جامع مشترك هو تركها السعي في إنجاز حل مباشر، وضعف أودها في هذا المضمار. فهي وسائل إلى حلول مرجأة إلى أجل. وليست هي إلا شرائط هذه الحلول، إذا أزفت وأزف وقتها، لكنها ليست العامل في هذه الحلول. أي ان الوسائل "الخالصة"، والمجردة من القسر والعنت، إنما هي السبيل أو الطريق إلى إطفاء المنازعات. ومضمارها هو الصناعة على معنى القول: صناعة الخطابة. وهذا هو السبب في جمع بنيامين بينها وبين الحيلة في كلامه على "التواضع ]أو الاتفاق[ المدني". فالمحاورة، أو الاحتجاج في الدعاوى المدنية، هي من آلات صناعة العقد المدني، ويتناول العلاقةَ بين البشر وممتلكاتهم وحيازتهم. وتقوم المحاورة، أو الإحتجاج، على شرطين متلازمين هما إبطال التوسل بآلات القوة والقهر، أولاً، ثم إباحة الخدعة أو الحيلة وإجازتها من غير قصاص ولا عقوبة. ويستدل بنيامين على إجازة الخدعة في الاحتجاج القضائي والمدني بسكوت الشرائع "القديمة" أو "الأولى" عن إيقاع العقوبة في المتوسل بها في احتجاجه ودعواه. فينشأ عن هذا القبول حيِّز يمتنع من القصاص وعنفه. بل إن آية انتفاء العنف منه هي امتناعه من وقوع العنف عليه وفيه. وهذا الإمتناع هو بمنزلة الإرتفاع عن العنف ونبوِّ العنف عنه وانثلام حده. فهو حِمَى الكلام واللغة وملاذهما وأرضهما الحرام. فلا غرابة إذا أوَّل بنيامين إيقاع التشريع القصاصَ في الخدعة، متأخراً، "انحطاطاً"، وقرينةً على ضعف ثقة الحق المتأخر زمناً ووقتاً بقوته على القمع. فالحق الروماني والحق الجرماني القديم ذهبا إلى أن الحق المدني إنما وضع لأناس هم على بيِّنة من أمرهم وشأنهم، أي من مالهم ومواضع استعماله واستثماره. فإذا استوى الغريمان في البصيرة والدراية فلابأس عليهما إذا هما أعملا الخدعة واحدهما في احتجاجه على الآخر. فكأن استواء الغريمين في اليقظة، وفي العلم بالجواز، وفي إباحة التوسل بالخدعة - كأن استواء الغريمين في الموارد الحقوقية يرفع عن هذه الموارد انحيازها ويخلي المضمار لموازنة ومقايسة من غير قهر لأنهما لا يفترضان المراتب، وتعسفها الأولي، شرطاً. وما يتخوفه التشريع إذ يقتص، متأخراً، من الخدعة وجنحتها، هو لجوء المخدوع إلى الرد على خدعة خصمه بالعنف. ولا يخشى مثل هذا الرد إلا إذا ضعفت دالة الهيئة المنوط بها التشريع، أو مراقبةَ إنفاذه، وضعفت الأواصر التي كانت تشد العنفَ إلى الحق النظام الحقوقي وتقصره على الحق نفسه، أو على هيئته وهي "الدولة". ويعلل بنيامين إقرار الدولة العمالَ على الحق في الإضراب بعلة الضعف نفسها. فالإضراب عن العمل، على رغم مناقضته مصالح الدولة، يباح حين يبدو أن إباحته أو إجازته تكبحان أعمال العنف التي قد تضطر الدولة إلى قمعها، مثل تحريق المصانع وتحطيم الآلات، إذا هي لم تبح الإضراب. والحادي على القبول بالوسائل "الخالصة"، أي المطهرة من العنف، ليس الفضائل الخلقية، بل الموازنة العملية والعقلانية بين تكلفة الوسائل العنيفة وتكلفة خلافها من الوسائل غير العنيفة. فلا يفترض العقل العملي، وهو ركن العقل السياسي الأول، ليؤتي ثماره لا صَلاحَ البشر ولا "طينة" الملاك فيهم. فذهب الألماني كانط إلى جواز ائتلاف جمهورية مدنية أو دولة عادلة من "شياطين"، شرط ألا يكون هؤلاء "الشياطين" مذهوبي العاقلة والقوة على التدبير وعلى توقع النتائج. وإنما يذهب بنيامين المذهب نفسه حين لا يعلل بالفضيلة، بل بالتعقل والموازنة بين الخسائر، قبول البشر بالتخلي عن وسائل العنف والقسر والقهر. وذهب مذهب الإثنين، قبل ربع قرن من يومنا، جون راولز، صاحب "نظرية العدالة"، فتوهم "غشاوة الجهل" ركناً لاقتسام أهل مدينته العادلة ممتلكات المدينة. ويمثِّل بنيامين، مرة ثانية، بالإضراب العام "البروليتاري"، غير السياسي بحسب جورج سوريل في "تأملاته في العنف"، 1907 وغير الساعي في مكاسب ومغانم ومنافع مادية من وراء "إلغاء الدولة"، يمثل به على فعل "خالص" من العنف ومجرد منه. فلا يعود المضربون إلى العمل لقاء منافع تترك العمل، وأحواله ووظائفه، على حاله وحالها. بل إن إضرابهم، حين عزموا عليه، تعاقدوا على ألا يعودوا عنه إلا إذا تحقق تغيير العمل من حال إلى حال، ومن دور إلى دور، وارتفع عنه، أي عن أداء العمل، قسر الدولة. وليس الإضراب، والحال هذه، بعثاً على التغيير ولا حملاً عليه. فهو "يقتصر"، إذا جازت العبارة، على تتويج التغيير واستتمامه. ويخلص بنيامين من فحصه عن هذا الضرب من العنف، المتصل على زعمه بالمصير التاريخي لضروب المدنية أو بعضها، إلى السؤال: ماذا يحصل إذا ناقض هذا الضرب من العنف، المتوسل بوسائل مشروعة، غايات عادلة، متناقضَةً لا عودة عنها" وإذا وجب احتساب التوسل بضرب آخر من العنف لا ينزل من الغايات السائغة والعادلة هذه لا منزلة الوسائل المشروعة، ولا منزلة الوسائل غير المشروعة، بل خرج ضربُ العنف هذا عن مبنى الوسيلة والواسطة إلى مبنى علاقة أخرى بالغايات؟ يقارن صاحب "نقد العنف" بين هذا الموقوف الحقوقي - والموقوف هو ما لا يُجاب عنه بأحد الجوابين المعروفين: فلا هو مبني ولا وهو معرب، في المثال النحوي، ولا هو متناقض ولا هو غير متناقض، في المثال المنطقي... وبين أشباهه من الموقوفات في اللغات الناشئة وغير المستقرة على نحو أو علم بيان ثابتين ومتعارفين. فعلى مثال اللغة الناشئة لا يقضي العقل في مشروعية الوسائل أو في تسويغ الغايات. بل يقضي في هذا وفي تلك وضعٌ أو إيجاب هو أشبه بالعنف "المتصل بالقدر"، أو هو ركن الإيجاب وموجبه، أو فعل الإنشاء الخالص والمحض. ومثل هذا الفعل مثال العنف: ابتداءً، وإرساءً لحق، وصوغاً لمباني الحق هذا. والعنف "القدري"، أو الإنشائي، ليس واسطة إلى غاية تتعداه إلى غيره كذلك شأن اللغة: فإنشاؤها يستوفيه فعل الإنشاء أو حصول اللغة. وفي هذه الحال ينبغي الكلام على العنف على وجه التظاهر، أو الظهور، وبما هو ظهور وتظاهر وليس وسيلة أو واسطة. ففي ذروة الغضب لا يسعى الغاضب، المتفجر غضباً، في إعمال تظاهرات غضبه في ما يتعداها. فهي عبارة خالصة، أو تظاهر محض. ولعل الأسطورة هي مجلى، أو تجلي، مثل هذا العنف المحض والعبارة عن علاقته بالحق. فأسطورة بروميثيوس تصور "البطل" في صورة مستفز الأقدار ومصارعها. فلا تترك الأسطورة البطل من غير رجاء إهدائه البشر حقاً وقانوناً جديدين. ويزعم بنيامين أن إعلاء الشعب من قدْر الصعلوك الخارج على القانون، اليوم، إنما يقصد الشعب به العنف السائغ الذي يمثِّل عليه الصعلوك، وقبله بروميثيوس. وهذا هو دور العنف المنشئ الحق، أو "العنف القدري"، على ما مر، وعمله المزدوج. فإنشاء الحق يتوسل بالعنف إلى بلوغ الغاية التي هي الحق. لكن العنف إذ يوجب حقاً أي يوجب هذا الحقَّ ما هو غايته، لا يصرف العنفَ، ولا يبطله، بل يحفظه على وجه عنف منشىءٍ الحق من غير واسطة تحت اسمٍ هو سلطان الحق" وليست هذه الغاية، أي سلطان الحق، على حدة من العنف ولا مستقلة عنه، بل هي متلازمة وإياه بالضرورة تلازماً داخلياً. ورسو السلطان على الحق، وهو عينه رسو الحق سلطاناً، إنما هو تظاهر مباشر ومن غير وساطة للعنف. فالعدالة هي أصل كل إيجاب إلهي لغايةٍ، على نحو ما سلطان الحق هو أصل كل إيجاب روائي وحكائي للحق، على قول دفوركين لاحقاً. وينتهي كل عنف منشئ حقاً أو منشئ الحق: الحقوق والقوانين إلى تثبيت حد ورسم حدودٍ أو تخوم. وليس السلم إلا ما يترتب على إقرار المتخاصمين بالحدود المرسومة وثباتها، على ما تروي الأساطير أو الحكايات الأولى. وعلى هذا يبدو أن ما يضمنه العنف المنشئ الحق ليس زيادة في المِلك والحيازة بل هو السلطان سلطان الحق وثبات ما يترتب عليه. فحيث يُرسم حد ثابت، ويقوم تخم ويقر، لا يعدم الخصم ولا يسحق. بل إن الأمر على خلاف ذلك تماماً: فحيث يملك الغالب إعمال العنف الأقصى، أي داخل حيازته وما دون حدوده المرسومة، يقر بحقوق خصمه وغريمه وعدوه خارج حيازته هو وما وراءها وبعدها. وحقوق الغالب والمغلوب "متساوية"، على نحو "شيطاني" بحسب بنيامين: فيمتنع على الغالب والمغلوب اجتيازها أو انتهاكها، على نحو ما يحظر القانون على الأغنياء والفقراء جميعاً النوم تحت الجسور وفي العراء، على ما نبه، ساخراً، أناتول فرانس. فإذا انتهك الأوَّلون، الآباء الأوائل، الحدود المرسومة من غير قصد انتهاكها ولا علمٍ منهم، لم يُوقَع عليهم القصاص أو العقاب بل وجب عليهم التكفير، أو الكفَّارة. والكفارة متشابهة أو ملتبسة. فالسبب فيها هو "المكتوب"، أي إلهام القدر نفسه، وحملُه من يجهلون رسوم الحدود على انتهاكها من غير إرادة منهم ولا قصد. ولا يعذر، اليوم، الجهلُ بالقانون الجاني عن جنايته. وعلى هذا يستوى العنف من غير واسطة وعنف الحق واحداً. ويناقض بنيامين العنف الأسطوري، المباشر والمتظاهر، بما يسميه "العنف الإلهي". فعلى خلاف العنف الأسطوري، المنشئ الحق، يدمر "العنف الإلهي" كل حق. وإذ يرسم الأول تخوماً وحواجز وفروقاً يلغي الثاني هذه. وبينما يوجب الأول الذنب والكفارة يقتصر الثاني على الكفارة. والأول دموي، أما الثاني فيميت من غير سفك الدماء. وإبطال سفك الدم "يحرر" الإنسان الحي من ذنبه، و"يحرر" المذنب من الحق الآمر بالكفارة من طريق إراقة الدم وسفكه. ف"العنف الإلهي"، على خلاف الأسطوري الدامي، ينحاز للإنسان الحي على الحياة الدامية نفسها، فلا يأمر بالقربان بل يقتصر على قبوله والرضا به. وجواب السؤال: هل يحل لي القتل؟ هو دوماً بالنهي. و"الوصية" أو الأمر ليست معياراً موجباً، ولا نصاً. فعلى الفرد، أو الجماعة، السير على هديها، وذلك على معنى لا ينفي الانتهاك أو المخالفة في بعض المواقف. فليست علة الأمر، وهو هنا نهي، ليست علته مفعول الفعل في الضحية، بل في مصدر النهي وفي فاعل الفعل. فإعلاء مجرد الحياة فوق الحياة العادلة، وضاعة وباطل. لكن هذا لا يعني إلا إبطال مساواة الحياة الإنسانية بمجرد "الحيوان"، أي جري الكائن الحي على وظائفه وعلى وحدة صورته الجسمانية. وقد يكون مصدر قدس الحياة، أي النهي عن القتل من غير تخصيص، هو تحميل مجرد "الحيوان" وزرَ الحياة وذنبها. فلا يُخرَج من الحق المقتصر على حفظ العنف واستبطانه، في الدولة، إلا من طريق تاريخ لا ينهض على العنف الأسطوري وصوره المستمرة. وهذه الطريق مشتبهة. فالبشر قد يقدرون على تبيُّن العنف الأسطوري، على خلاف "العنف الإلهي" غير المنظور. فيقصر نقد العنف تمييزَه على إبطال أي على الدعوة إلى إبطال صور العنف الحافظة الحق، والمحكومة والخادمة الحكم. أما "العلامة" الإلهية فليس تناوله في مستطاع البشر، ولا حق لهم في التختم بها أي في لبسها خاتماً. * كاتب لبناني.