ذهب فالتر بنيامين ، الألماني و"الفرنكفورتي"، و"الماركسي" على زعمه و"القَبَّالي" على زعمه كذلك، إلى أن نقد العنف نقداً فلسفياً ينبغي أن يصف علاقة العنف بالحق أو "القانون" على ما يُكتب بالعربية المعاصرة والعدالة. فما يوصف من الأسباب والوسائل بالعنف إنما تصدق هذه الصفة فيه حين يقع أو يُوضع على علاقات أخلاقية ومعيارية. وهذه العلاقات حدُّها الحق والعدالة. وما يحده الحق ينقسم أولاً إلى غاية ووسيلة. ويُنسب العنف إلى الوسائل التي يتوسل بها المتوسل إلى غايته، كانت هذه محقة أو غير محقة. فمضمار العنف هو مضمار الوسائل والأدوات والآلات، بمعزل من الغايات نفسها. فإذا عُزل العنف، وتناولُه بالنقد والوصف، من الحمل على الغايات وعلى منزلة الغايات من الحق، جاز إذ ذاك نقد العنف بما هو أصل ومبدأ. ولم يقتصر النقد على تمييز التوسل الجائز بالعنف إلى غايات شريفة ومحقة من التوسل، المدان، به إلى غايات فاسدة وباطلة. فيوضع السؤال، القاطع، على صحة حمل العنف عموماً، ومن غير تخصيص، على الأخلاق. ويفترض هذا ميزاناً توزن به الوسائل نفسها، منقطعة من غاياتها وعنها. فينبغي، بحسب بنيامين، استبعاد الحق الطبيعي من المسألة والفحص. إذ إن الحق الطبيعي يقتصر على نقد الغايات. وينسب الحق الطبيعي إلى الفرد، قبل دخوله مع غيره في العقد الذي تنشأ الدولة عنه وينزع من الأفراد المتعاقدين الحقَّ في التوسل بالعنف، ينسب إليه حقاً شرعياً وعقلياً في العنف، ويسوِّغ له هذا الحق. وما ذلك إلا لأن الغاية، وهي حفظ النفس، حق. فإذا قامت الدولة، غداة العقد ونزول الأفراد المتعاقدين عن حقهم في المحاماة عن أنفسهم بأيديهم إلى الدولة، بطل حق الأفراد هذا وجاز، أو ساغ، حق الدولة وحده في التوسل بالعنف إلى حفظ أنفس المواطنين المتعاقدين ومِلكهم. وإنما جاز هذا للدولة بعد أن تولت هي وحدها رعاية الغاية الطبيعية والسائغة عقلاً. وعلى خلاف الحق الطبيعي يتناول الحق الوضعي الوسائل التي يتوسل بها كل حق، أو نظام حقوقي وقانوني، إلى الاستتباب والاستقرار. فهو، الحق الوضعي، يسعى في "ضمان" والمزدوجات من بنيامين عدالة الغايات والمقاصد من طريق إثبات مشروعية الوسائل ومطابقتها صورة الحق ومبانيه، على حين يسعى الحق الطبيعي في "تعديل" حملها على العدالة الوسائل من طريق عدالة الغايات. فلا يُخرج من النقيضة هذه، ومن الدور، إلا بمعايير مستقلة تُنصب لعدالة الغايات، من وجه، ولمشروعية الوسائل، من وجه آخر. ذلك أن الحق الوضعي يلازمه العمى عن كون غايات الحق غير مشروطة، وغير مقيدة. بينما يعمى الحق الطبيعي عن نزول الوسائل منزلة مشروطة في نفسها، بمنأى من حملها على الغايات وقياسها بها. لذا فالمعيار الذي يترتب على الحق الوضعي، وتقاس به مشروعية العنف، لا يصح الأخذ به إلا من جهة دلالته" أما دائرة هذا المعيار فلا يصح نقدها إلا من جهة قيمتها في نفسها. وينجم عن ازدواج الدلالة والقيم ازدواج العنف نفسه، وازدواج وظيفته على حسب خدمته غايات طبيعية أو غايات قانونية. وهذه توجبها قوة تشريعية لا تستظهر إلا بنفسها، وهي الدولة، أو مثالها المحدث والأوروبي، على ما يخصص بنيامين. فذهب هذا المثال، في صيغته المعاصرة أي بين الحربين العالميتين، إلى إيجاب غايات حقوقية لا تُدرك إلا من طريق العنف المشروع، المقتصر على دولة الحق، حيثما بدا أن الأفراد قد يصيبون، على أهون السبل وأيسرها، غاياتهم بواسطة العنف ومن طريقه. ففي مضمار التربية قيد التشريع حق المربين في إيقاع القصاص على التلامذة والطلاب. وكان هذا الحق يستقوي بنجاعة الشدة وجدواها في بلوغ مقاصد تربوية لا يجادَل في صحتها أو صدقها، ولا في اتفاقها مع الطبائع وبدائه العقل. فيخلص التشريع الأوروبي من هذا إلى مناقضة الغايات الطبيعية، التي يكون العنف واسطة بلوغها، الغايات القانونية الناجمة عن تشريع الدولة أو سلطتها التشريعية. ولعل "الدفاع المشروع" أي الحق في تولي الفرد الدفاع عن نفسه بالسلاح والقتل إذا تعرض للعدوان صورة هذه المناقضة والقرينة الجلية عليها. والحق، أي الدولة التي تزعم الصدور عنه فتستأثر بإصداره عنها، هذا الحق إذ يقف العنف عليه وحده فيمنعه على الأفراد، ويرى أن وقف العنف عليه يعود عليه بالمنفعة، لا يتذرع إلى وقف العنف على نفسه بحماية الغايات القانونية، بل يتذرع بحماية الحق، أي الدولة، مصدره. ويؤدي هذا القول إلى قول آخر ينتج عنه، ويزيح الستر على نحو أوضح عما يفترضه القول الأول وهو أن العنف، إذ لا يكون في عهدة الحق وولايته، أياً كان هذا الحق، لا يتهدد الحقَ والدولة من طريق الغايات التي قد يسعى في بلوغها، بل هو يتهدد الحق لمجرد قيامه خارج الحق وأياً كانت غاياته. ويعزو بنيامين إلى قيام العنف خارج الدولة محضَ العامة، أو الشعب، إعجابَها الدفين "كبارَ" المجرمين، مهما كانت غاياتهم وضيعة ومقززة. فما يبعث العامة على إكبار القاتل وتعظيمه ليس الفعل الجرمي نفسه، أي التمثيل بالقتيل أو القتيلة، بل نهوضه قرينة على عنف يصدر عن خارج الحق المستأثر بالعنف والناسب المشروعية إلى نفسه. ويصدق هذا على الجماعات الأهلية في المجتمع الواحد الذي تنتصب الدولة راعية لحقه. ويصدق كذلك على المجتمع الدولي الذي يشهد خروجَ "دول" على شرعته وحظوتَها بإعجاب شعبي مثل الإعجاب الذي كان بنيامين شاهداً عليه طوال العقد الرابع، الهتلري، من القرن، ولم نزل نحن شهوداً على فصوله "الصغيرة" قياساً على فصوله الملحمية. لكن العصر تمخض عن ضرب من العنف لا يدخل تحت الحق، ولا يخرج عن حده، هو عنف النقابات العمالية المنظمة وإضراباتها التي قد تتسع وتتعاظم فتمسي عامة. فالإقرار للنقابات بالحق في الإضراب عن العمل، والدعوة إليه وقيادته، هو إقرار لها بحقها في مباشرة عنف مشروع. وهذا العنف ليس عنف الدولة، ويستوي مع عنف الدولة في دخوله في حد الحق. ويقوم الخلاف بين الدولة وبين النقابات على صفة الدعوة إلى الإضراب العام - فترى الدولة إلى الدعوة "تجاوزاً" و"انتهاكاً"، وترى إليها النقابات مباشرة لحق مستقر واستعمالاً له - يقوم الخلاف قرينة على اشتباه المسألة. فالدولة الأوروبية تصدع بحق النقابات في الإضراب عن العمل. وهي تسوغ هذا الصدوع بحمل الغايات التي تسعى فيها النقابات على الحق الطبيعي حفظ "النفس" أو قوة العمل. لكنه لا يسع الدولة ألا تأخذ مأخذ الجد توسل النقابات إلى حقها الطبيعي، والقانوني أي الوضعي، بالإضراب العام. وعليه، ينبغي تعريف مباشرة النقابات حقها الثابت، وهو حق يقر لها به الحق وتقر لها به الدولة المنسوبة إليه، بالعنف. ففي مثل هذه الحال، الغريبة والمتدافِعة، يجتمع الحق والعنف في واحد ليس هو الدولة. وليس في مستطاع الدولة دمغه بالعصيان والخروج على الحق، على نحو ما لا يسعها القبول به قبولها بمباشرة الأفراد أو الجماعات حقوقها الأخرى والمعروفة. وينكر بنيامين أن تكون المناقضة هذه مناقضة منطقية في الحق نفسه. وهو ينسبها إلى الوقائع التي تلابس الحق وتحفه. فهو يزعم أن ما تخشاه الدولة في الإضراب العام هو وظيفة العنف أو عمله التي تجيز وحدها نقد العنف. فلو كان عنف الإضراب العام مجرد وسيلة إلى امتلاك المرغوبات كلها في الحال، ومن غير واسطة، لما قدر على بلوغ مقصده إلا من طريق النهب والسلب، ولما وسعه إرساء علاقات اجتماعية وسياسية على ركن ثابت ودائم أو تغيير العلاقات الإجتماعية والسياسية. ولا يشك بنيامين في قدرة الإضراب العام، وهو من هيئات الثقافة والتاريخ العماليين الأوروبيين، على إرساء علاقات اجتماعية وسياسية ثابتة، ولا في قدرته على تغيير العلاقات القائمة. والمناقضات نفسها التي ينم بها حق الإضراب ينم بها جواز حقٍ يُصرف إلى الحرب. ففي الحرب كذلك تتلقى ذوات حقوقية بالقبول ضروباً من العنف تقرُّ لها الذوات الحقوقية هذه بالسعي في إدراك غايات طبيعية، على رغم احتمال هذا السعي الإنقلاب على الذوات الحقوقية نفسها في وقت ثانٍ أو آتٍ. أي ان الدول، وهي الذوات الحقوقية، يقر بعضها لبعضها الآخر بمشروعية حربها عليها، وتقر كلها بدخول حروبها تحت حق مشترك هو حق الناس، على ما كان يدعى، أو الحق العام الدولي، على ما يسمى اليوم. ويرى بنيامين مصدقاً لما يذهب إليه في ملازمة الشعائر عقدَ الصلح والدخول في السلم. فلا سلم إلا إذا كافأ عقد، أي حق، انتصار المنتصر. وإذا لم يكافئ الحق الانتصار العسكري انحط هذا إلى مرتبة النهب والسلب اللذين تباشرهما الحرب فعلاً. وتقوم هذه المكافأة برأسها، وتستقل عن كل علاقات الحق الأخرى. وهي بمنزلة الإقرار للعلاقات الجديدة، الناجمة عن الحرب، بالقوة على إنشاء "حق" جديد. وقد تكون هذه الحال، أي خروج الحق من العنف، المتجه وجهة غايات طبيعية، ونشأته عن عنف، مثالاً لأحوال شبيهة تؤدي كلها إلى صدور الحق عن عنف أول هو ركن أول. وقد تكون عقوبة الموت، وقضاء العدالة بالموت في الأحياء وحق العدالة في القضاء بالعقوبة، امتحان الحق الأقوى والأشد حسماً. ومباشرة الحق "القانون" هذه الصلاحية تمثيل على صورة الحق المحض والخالصة، وتقوية للحق. وعلى الضد من هذا فمعنى إنكار عقوبة الموت، أي إنكار الحق في القضاء بها وإنزالها، هو التمهيد لإنكار الحق برمته. فإذا تخلى العنف إما عن إيجاب الحق، أو عن حفظه، سعى من تلقاء نفسه في فساد قضيته. ولا ينفك العنف من العقود كافة، وإن جرى عقدها بمنأى من الإكراه. فالعقد الذي لا ينص على حق المتعاقد، إذا لم يفِ شريك العقد بعهده وبموجبات العقد، في اللجوء إلى العنف، يخلُّ بصورة العقد وينحرف عن مثاله. ولا يخلو عقد من ضامن أو كفيل. وضمان العقد وإنفاذه هو القوة، أو السلطان الذي يرعى إنفاذ كل العقود. وهذا السلطان مولود من العنف. فإذا انكفأ وِجدان السلطان الكامن في الهيئة الاجتماعية، أياً كانت هذه الهيئة، تصدعت الهيئة وذوت. وما يصح في العقود يصح مثله في المساومة أو الحلول التي تتوسط مواقفَ المتنازعين وآراءهم. فلسان حال المساوِم، كل مساوِم، حال إقرار المساومة: "كان في الإمكان أحسن مما كان"، أي أحسن مما انتهت إليه المساومة، وما اضطر المساومان إلى القبول به نزولاً على إكراه الآخر. وينكر بنيامين على البرلمانية، أو الحياة السياسية القائمة على الاقتراع الدوري وانتخاب ممثلي المقترعين، ينكر عليها مزاعمها في إرساء الإتفاق السياسي على أصلٍ خالٍ من العنف. ففي الأوقات الحاسمة، تلك التي تختبر جوهر الحياة البرلمانية، يميل المقترعون إلى ابتداء نظام حقوقي جديد، وإلى صرم نظام قديم وتصديعه، على نحو نازع العنف إلى الإبتداء والإنشاء، أو إلى طي صفحة العلاقات القائمة التي يحسبها البائدة. لكن بنيامين لا يخلص من هذا إلى استحالة "التواضع المدني"، النافي لكل عنف نظير القبول بالخداع وبرفع القصاص عنه. وهذا يُسْلم إلى مسألة اللغة.