دبت الحياة المتجمدة مجدداً في جسد المنظمات الحقوقية الذي كان منزوياً منطوياً منكفئاً على نفسه على مدى شهور طويلة. الجسد الذي طاوله القيل والقال والهمز واللمز من طرفي النقيض المصري، يعود هذه الأيام عودة متفجرة متربصة متحفزة مستفيدة من أرض شرطية خصبة وأحداث قضائية رمزية وحوادث شارعية متفرقة وتحفيزات دولية عدة. مقالات كثيرة وتلميحات عدة تدور في وسائل إعلام غربية، أغلبها أميركية، حول ضرورة عودة الروح إلى جسد المجتمع المدني، لا سيما الحقوقي الميت أو الخامل في مصر. فالعقيدة الأميركية القائمة على أن وجود مجتمع مدني صامد ونشيط هي ضمانة استمرار وانتعاش الديموقراطية، وذلك بناء على التجرية الأميركية نفسها، تبذل جهوداً مضنية من أجل التعميم وعلى أمل التجذير، لا سيما في مصر. وفي مصر، حيث اتخذ الحكم مواقف تراوحت بين الحذر الشديد والمنع الأكيد والإغلاق المباغت لجمعيات بعينها في العام 2012 حين أكدت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي آنذاك فايزة أبو النجا أن هذه المسألة «تتعلق بالأمن القومي»، وأن هذا التضييق يسعى إلى «تصحيح أوضاع مختلة لهذه الجمعيات العابثة بأمن مصر الداخلي، والتي تستهدف النيل من سيادة الدولة»، وجدت هذه النبرة آذاناً صاغية وعقولاً متقبلة لدى بعض المصريين. صحيح أن قطاعاً من الحقوقيين والثوريين والناشطين دافع – ولا يزال – دفاعاً شرساً عن هذه الجمعيات والعاملين فيها، إلا أن قطاعاً آخر من المصريين وجد نفسه ينظر إليها بعين ملئها الشك وعقل قوامه الريبة، وإن ظل كلاهما قائماً على مشاعر لا معلومات. «المعلومات» التي يتناولها الإعلام المصري قاصرة عن معلومات واضحة أو اتهامات كاشفة في ما يتعلق بأنشطة هذه الجمعيات. لكن المزاج العام وضع المجتمع المدني برمته في سلة واحدة، متهماً ناشطيه تارة بالجلوس في أبراج عاجية تركز على الحق في التظاهر والاحتجاج، وليس الأمن والغذاء، وإطارها «الورقة الخضراء» حيث «التمويل بالدولار»، وهدفها إلحاق الضرر بمصر والمصريين من بوابة الحق والحقوقيين. حق الأطباء في الإضراب والاحتجاج والامتناع عن العمل بعد اعتداء أمناء شرطة على أطباء في مستشفى، منشور صدر بإفاضة واستفاضة من «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، ويتم تداوله ونشره انتشار النيران في الهشيم. لكن الهشيم هنا نوعان، أحدهما هشيم حقوقي، والآخر شعبي خضع لسكتة جماهيرية بعد انتشار تشككات شعبية في ما يخص كل ما هو حقوقي على مدى السنوات الثلاث الماضية. آلاف الرسائل الإلكترونية يجري إرسالها ثم إعادة إرسالها وتداولها بين قطاع العاملين والمنتسبين والمحبين للمناحي الحقوقية وانعكاساتها التي يستخدمها بعضهم لانتقاد النظام القائم، ويتناولها بعضهم بصدق نوايا وحسن مقاصد بغرض تعميم الفكر الحقوقي وتفعيله. تفعيل إضراب الأطباء الذي دعت إليه نقابة الأطباء بقيادة الأمين العام للنقابة منى مينا نتج منه حنق بين قطاع من المصريين ودعم نقابي وحشد حقوقي وشحن من «الطرف الثالث» وسب وشتم إعلامي، وهو ما أدى إلى ثنائية قطبية ما أنزل الله بها من سلطان. يتحدث سائق التاكسي عن نزاع مكتوم بين أمناء الشرطة والأطباء، ويلوح أهل المريض الواقفون بلا حول أو قوة أمام باب المستشفى إلى أن الطبيب المضرب عن العمل «مجرم» و «يستحق الضرب»، وينفعل المشاهد في مداخلته الهاتفية مع مذيع «توك شو» شهير فيحكي عن وقائع إهمال أدت إلى «تباطؤ وتخاذل» في إنقاذ حياة قريبه المريض ما أدى إلى وفاته (رغم ان الإضراب لم يشمل خدمات الطوارئ) وأنه حريّ بالأطباء قبل أن يُضربوا «أن يوقظوا ضمائرهم النائمة لأنهم ليسوا أفضل من مملكة الأمناء الطاغية». يطغى هذه الأيام اتجاه بين بعض المصريين الذين كانوا، ولا يزالون بدرجات متفاوتة، يعانون الأمرين من معاملة الشرطة تارة وتغاضيها عن مهماتها تارة أخرى، للنظر بعين الشك إلى النشاط الحقوقي العائد الذي يصب معظمه في خانة انتقاد أداء الشرطة أو ذم الاعتقال التعسفي أو قدح الاختفاء القسري أو لوم الأسلوب التسلطي. ومن الإضرابات والاحتجاحات إلى المنع من دون مسببات. فتوالي منع الأمن ناشطين وحقوقيين من السفر، سواء لتلقي جوائز تقديرية لحرية التعبير أو تكريمات عالمية للدفاع عن الحقوق أو تبجيلات أممية احتراماً للمطالبة بإدماج «الإخوان» والمصالحة مع الجماعات، أدى إلى بيان شديد اللهجة صادر عن مجموعة من المنظمات التي وصفت قرارات المنع من السفر الأخيرة الصادرة «في حق العديد من الأفراد المرتبطين بالحراك الفعال في المجال العام، خصوصاً المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان» بأنها حولت مصر إلى «زنزانة جماعية للناشطين والحقوقيين». وبدل أن تتلقف وسائل الإعلام البيان الحاد لتفجر به حلقة ساخنة ذات نسب مشاهدة عالية، أو تنقله مواقع إلكترونية ليتحول إلى نقاط جذب حامية، أو يترجم إلى هاشتاغات ناعية للحرية وناقمة على الديكتاتورية، تم التعامل معه وكأن شيئاً لم يكن. كان معظم المصريين في ما مضى يتفاعلون أو يدعمون أو حتى يتعاطفون مع جمعيات تندد باعتقالات من دون سند هنا، أو مداهمات استخدم فيها عنف مفرط هناك، أو اختفاءات لأشخاص لم يعرف مصيرهم حتى الآن. وكانوا حتى وقت قريب يشعرون بأن غليلهم قد شفي، وغضبهم قد هدأ، ومظلوميتهم خفتت بمثل هذه البيانات والتحركات والتوجهات، لكن قطاعاً معتبراً منهم ينظر إليها وكأنه مخبر أو محقق أو مصاب بفيروس التشكيك والتخوين. يغرد أحدهم: «أنا نفسي مستغرب من نفسي. أقف في الخانة نفسها مع أمين الشرطة الفاسد أو الضابط الجائر. إنها نظرية الشوربة والزبادي».