ولماذا الإجماع دائماً؟ سألني صديقي الناقد مُعلّقاً على انقسام الآراء بخصوص الحفلة الأخيرة لمارسيل خليفة وولديه رامي وبشار التي أُقيمت في وسط بيروت وسط إقبال حاشد من مختلف الفئات العُمرية، بدءاً من الأجيال التي ترعرعت على ايقاع «جفرا» و «صرخة ثائر» و «ريتا» و «أمي» و «يا بحرية» وسواها من أغنيات رافقت طويلاً الثوار والعشاق والحالمين بغد أفضل ووطن لائق بأهله وناسه البسطاء الطيبين وبكوكب أكثر حرية وعدالة. لماذا الإجماع؟ يسأل صديقي، وحجته أن لا شيء أعاق تقدمنا وتطورنا وحال دون خروجنا من السائد المألوف السهل المكرر المُستعاد مثل «الاجماع» الذي رزحنا تحت وطأته ردحاً طال وطوّل وحوّل أعمارنا الى سنوات عجاف حُجبَ فيها كلُّ تنوع واختلاف وصُودر كلُّ حق بالخروج على الطاعة حتى كادت جموعنا تغدو أشبه بالأرتال الألية المقولبة والمنمطة، فيما كان «العالم» من حولنا يتبدل ويتغير ويخطو بعيداً في حقول المغامرة والتجريب التي لا بديل عنها في رحلة البحث والابتكار، لأن الركون الى المنجز الجاهز إعلان وفاة قبل الأوان. متابعتي العميقة لتجربة مارسيل خليفة من ألفها الى يائها، ومعرفتي الوثيقة به، وصداقتي الحميمة معه ومع أسرته (وهذا ما يجعل شهادتي مجروحة)، تخوّلني القول إن مارسيل كان مدركاً ما يفعله تلك الليلة قبالة بحر بيروت على منصة أُقيمت فوق ردميات المدينة التي كانت يوماً وسطاً لكل اللبنانيين على تنوعهم الطبقي والمناطقي والطائفي وسواه، وليس عبثاً أنه أعطى حفلته برفقة ولديه، عنوان: «نشيد الموتى»، ما يشي بادراك خليفة للحظة الاستثنائية التي تصدح فيها موسيقاه وموسيقى رامي وبشّار فيما الدماء تسيل في الميادين والساحات من المحيط الى الخليج، فضلاً عن رمزية المكان نفسه الذي ينشد منه وعليه والذي كان يوماً بحراً من دماء اللبنانيين في جلجلة حروب لم تضع أوزارها كلّياً. ربما تضافرت بعض العوامل تلك الليلة لغير مصلحة الحفلة مثل قوة الريح التي قال خليفة: «إنها تمطر هواءً فوق رؤوسنا» تعبيراً عن استيائه من ذاك العامل الطبيعي غير المتوقع بمثل تلك الشراسة في شهر حزيران (يونيو) من صيف بيروت، وكذلك حال التقنيات الصوتية التي بدت أحياناً كأنها «خارج الخدمة». لكن الأهم كان الاستعداد النفسي لعدد غير قليل من الحضور لسماع أغنيات ثورية تتوافق والحالة التي يعيشها الشارع العربي. فإذا به يجد «مراسيلاً «آخر غير الذي عشقه وأدمنه واعتاد عليه، ليس أقل إبداعاً وعمقاً لكنه ربما أقل «نمطية» «بالمعنى الذي يرتاح الجمهور العريض إليه لأنه أحبه وأدمنه وألفه وعاشه وركن إليه على تلك الصورة الأشبه بالأبيض والأسود وما تبعثه في النفس من حنين عاصف وعواطف صارمة!. ثمة فارق شاسع بين الحفلة والعمل، بين أي حفلة وأي عمل. في الحفلة أثار مارسيل ورامي وبشار جدلاً وسجالاً ضروريين حول تجربة لم تعد ملكاً لصاحبها وحده، وكسر الثلاثي المُبهر القالب السهل المألوف المُعتاد، وألقوا حصاة كبيرة في مياه العادة التي قال المتنبي يوماً فيها إن لكل امرئ من دهره ما تعودا، ولا غضاضة أبداً في مشاكسة العادة ومساجلة المألوف وتحطيم «الكادر»، لا لأجل التخريب بل لأجل المزيد من البناء. ففي عمل الأب المخضرم وولديه النضرين بناء موسيقي شاهق التأليف والتناغم والتجريب، لكنه في الوقت نفسه يضج بكل ارتعاشات اللحظة العربية الراهنة وما تختزنه من حُبّ وحرية وغضب وتوجس والتباسات مشفوعة بالأمل الدائم في نهضة عربية حقيقية وتقدم الى أمام، لا نكوص الى وراء وعَودٌ على بدء العصبيات القاتلة والغرق في أوهام الاستعمار الجديد وهو يُعيد معنا الكرّة نفسها للمرة الألف: فرّق تسد. نافل القول باستثنائية وأهمية ما قدمه مارسيل على مدار عقود للفن الملتزم بالإنسان والقيم الحرّة النبيلة، كما هي نافلة الإشارة الى براعة رامي وبشار تأليفاً وعزفاً وتحليقها في أعالي التجريب الخشن الوعر. لكن، ربما يحتاج التآلف بين ما صنعه الأب وما يصنعه الابنان الى مزيد من الوقت والتعوّد. ولا بأس في الأثناء أن يرتفع النقاش حول تجربة تستحق وموسيقى آن لها أن تقول قولها عارية أو في ثوب الشعر والغناء. ومن حق كل ذائقة أن تشتهي وتهوى ما تشاء، وللراغبين بسماع مارسيل كما اعتادوه وأدمنوه أن ينتظروه قريباً في حفلة أخرى فالتجريب حقٌ مشروع لكل مبدع من دون أن يعني بالضرورة تخلياً أو انقلاباً على المُنجز المتراكم في الوعي والوجدان. بين مارسيل ومحبيه شعرٌ وملحٌ وموسيقى وغناء ومشوار كفاح طويل، بينهما جفرا وريتا والبندقية وجواز سفر نحو الفضاءات الشاسعة المدهشة وتقاسيم على وتر القلب والروح... وكذلك بينهما جدلٌ لن ينتهي ولا ينبغي له أن يفعل كي يظل «نشيد الموتى» أغنية دائمة لأجل الحياة. على الهامش: شاكيرا...... تبّاً!