يبدو نجيب ميقاتي أضعف أعضاء حكومته. فهو كلف بتشكيلها مواربة بناء لرغبة سورية أبعدت عمر كرامي لأن اختياره لم يلق استحسان دمشق التام، ثم ظل ينتظر قرابة خمسة أشهر قبل أن تأتي إيماءة الرأس السورية الثانية ليشكلها، بعدما تولى نبيه بري إلغاء آخر ذرائع «حساسياته الطرابلسية»، فاضطر للتسليم بموازين القوى والخروج بتركيبة لحكومة مواجهة تشي بها تصريحات بعض رعاتها مثل النائب ميشال عون الذي بدأ يحاضر في العفة ويتحدث عن المحاسبة ومحاكمة الرؤساء والوزراء، ما يعني أن كلام رئيس الحكومة عن «الاعتدال» و»الوسطية» و»حكومة كل لبنان» سيتحول سريعاً إلى فقاعات هواء، لأن الذين يقبضون على دفة الأمور لديهم برنامجهم الخاص المرتبط بتوجيهات الجارة الأقرب وأوامرها. لكن ماذا كانت تنتظر دمشق لتشكيل الحكومة، ولماذا قررت ضرورة إعلانها في هذا التوقيت بالذات، وأن تضغط على حلفائها لتسهيل العقبات التي كانت تحول دونها حتى لو تعارض ذلك مع تركيبتهم الطائفية؟ يقول العارفون إن الحكم السوري الذي كان يتوقع أن يذعن العالم لتهديداته بأن الاستقرار في المنطقة مرتبط ببقائه، لم يعد قادراً على التنفس سوى من الرئة اللبنانية، بعدما «تلوث» هواؤه الداخلي وسدت في وجهه «الأنابيب» التركية والعراقية والأردنية. فحركة الاحتجاجات التي تشهدها سورية مرشحة للتصاعد على رغم الرد الأمني العنيف الذي تواجه به، وثمة أنباء عن تململ في صفوف الجيش والقوى الأمنية وسط ضغوط وإدانات دولية متزايدة، في حين تقف العلاقة مع أنقرة على أبواب تدهور جديد بعد انتهاء الانتخابات التركية وإصرار اردوغان على وقف القمع وإعلان الأسد برنامجاً زمنياً للإصلاح، مؤكداً انه لا يستطيع البقاء مكتوف الأيدي أمام حركة النزوح السورية عبر الحدود. أما بغداد التي استقبلت وزير الخارجية السوري وليد المعلم قبل أيام، فتبدو عاجزة عن إنجاد دمشق بعد تردد أنباء عن أن أصوليين سوريين سهلت لهم سلطات بلادهم على مدى سنوات الانتقال إلى العراق لمحاربة الأميركيين بدأوا في العودة إلى بلداتهم وقراهم، ذلك أن العراق نفسه مهدد بموجة جديدة من العنف مع اقتراب الانسحاب الأميركي. ولا تشذ عمان عن موقف باقي الجوار، لا سيما أن للعشائر الأردنية امتدادات قوية في الداخل السوري، خصوصاً في درعا التي سحق الجيش انتفاضتها وأذل أهاليها. فالنظام السوري الذي لا يزال مقتنعاً بأن موجة الاضطرابات الحالية مجرد «غيمة عابرة» وأنه سيتمكن في النهاية من إنهائها بأي وسيلة كانت واستعادة استقراره، قرر على ما هو واضح، مستفيداً من العرقلة الروسية والصينية في مجلس الأمن، مواجهة المجتمع الدولي وضغوطه لفرض الإصلاح بتحرك مضاد في «الساحة» اللبنانية عبر استكمال الانقلاب الذي قاده «حزب الله» برعايته، وتشكيل حكومة أقل ما يقال فيها إنها مشروع انقسام واضطراب أهليين وخروج على اتفاقي الطائف والدوحة اللذين انقذا هذا البلد من دوامة حربه الأهلية المتقطعة. وترى دمشق في إعادة تأكيد إمساكها بخيوط الوضع اللبناني تظهيراً لورقة مساومة أثبتت فاعليتها في الماضي، أي مقايضة الأمن في لبنان بالأمان لنظامها، مثلما كان الانفتاح الفرنسي، والأميركي لاحقاً، على سورية، الثمن الذي دفعه الغرب لوقف موجة الاغتيالات التي طاولت مسؤولين وسياسيين لبنانيين بعد خروج القوات السورية. لكن ما كان يصح في السابق لم يعد ممكناً اليوم مع المد التغييري الذي يجتاح العالم العربي، والذي لن يستطيع نظام دمشق الوقوف في وجهه مهما فعل في لبنان.