كشفت تطورات المشهد الداخلي في إيران عن حالة من الارتباك غير المسبوق في بنية اتخاذ القرار، عقب شهرين من الحرب مع الولاياتالمتحدة وإسرائيل، ما انعكس بشكل مباشر على بطء الاستجابة السياسية وتعثر مسار المفاوضات مع واشنطن. وبحسب مصادر مطلعة، لم يعد النظام الإيراني يمتلك مرجعية واحدة حاسمة كما كان عليه الحال منذ قيام "الجمهورية الإسلامية" عام 1979، وهو ما أدى إلى تباين في مراكز القرار وتصلّب في المواقف، خصوصاً في ظل دراسة استئناف المحادثات مع الجانب الأمريكي. وجاء هذا التحول بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب أواخر فبراير الماضي، وما أعقبه من انتخاب نجله مجتبى خامنئي، الذي تشير المعلومات إلى تعرضه لإصابات بالغة، ما أضعف قدرته على ممارسة دور قيادي حاسم. ووفقاً للمصادر، يقتصر دور مجتبى حالياً على إضفاء الشرعية على قرارات تُتخذ داخل دوائر عسكرية وأمنية، بدلاً من أن يكون صاحب القرار النهائي، كما كان سائداً في العقود السابقة. في المقابل، برز الحرس الثوري الإيراني بوصفه الفاعل الأبرز في إدارة المرحلة، حيث تركزت السلطة داخل دائرة ضيقة تضم المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب المرشد، مع نفوذ متزايد للقيادات العسكرية في رسم الاستراتيجية العامة، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي. وتشير تقديرات إلى أن ضغوط الحرب ساهمت في تعزيز هذا التوجه، ما أدى إلى تراجع دور المؤسسات المدنية، وصعود نهج أكثر تشدداً في إدارة الملفات الداخلية والخارجية. وفي سياق متصل، أكد مسؤول باكستاني مطلع على المحادثات الجارية عبر إسلام آباد أن عملية اتخاذ القرار داخل إيران تعاني من بطء شديد، مشيراً إلى غياب مركزية واضحة في القيادة، ما يؤدي إلى تأخر الردود لعدة أيام في بعض الأحيان. ويُنظر إلى هذا البطء باعتباره أحد العوامل التي تعيق إحراز تقدم في المفاوضات غير المباشرة مع الولاياتالمتحدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية للتوصل إلى اتفاق يضع حداً للصراع. وعلى صعيد الواجهة الدبلوماسية، يقود وزير الخارجية عباس عراقجي الجهود التفاوضية، مدعوماً بشخصيات بارزة مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي برز خلال الحرب كحلقة وصل بين المؤسسات السياسية والأمنية. في المقابل، تشير مصادر إلى أن القائد العسكري أحمد وحيدي يمثل أحد أبرز مراكز النفوذ الفعلي، حيث يُنظر إليه ك"محور رئيسي" في إدارة القرارات على الأرض، بالتنسيق مع القيادة العسكرية. أما شخصيات متشددة مثل سعيد جليلي، فرغم تصاعد خطابها خلال الحرب، إلا أنها لا تمتلك النفوذ المؤسسي الكافي للتأثير الحاسم في مسار القرار.