- فاطمة سالم اعتاد أهل الخليج منذ القدم على الاجتماع في بعض ليالي الشهر الفضيل، وخصوصاً بعد انتهاء صلاة التراويح ومجالس الذكر، في لقاء تراثي رمضاني يطلقون عليه اسم «الغبقة»… وهي مائدة رمضانية عادة ما تسبق وقت السحور في توقيتها، وهي واحدة من التقاليد الرمضانية العريقة التي احتفظت بروح التراث رغم الأنماط العصرية التي شهدتها طيلة السنوات الماضية. وحسبما يتذكر كبار السن، فإن الغبقة التي كانت تقام في مجالس القرى والأحياء وكذلك المدن، لا تختلف من ناحية معناها وأنواع وجباتها بين أهالي القرى الريفية الزراعية أو أهالي البحر أو في المدن، فهي أولاً تمثل صورة من صور العلاقات الاجتماعية الكريمة في الشهر الفضيل، وفيها من الكرم والحفاوة الشيء الكثير مما يليق بمكانة الضيوف، حيث يحرص صاحب «الغبقة» على دعوة الأهل والجيران والأصدقاء للالتقاء وتبادل الأحاديث وتناول الوجبة، أما اليوم، فقد احتفظت «الغبقة» بمدلولاتها على رغم الحداثة التي شهدتها حيث لم تعد تقام في المنازل أو المزارع وحسب، بل انتقلت إلى الفنادق والمطاعم الكبرى، وتتنوع فعالياتها اليوم بين المسابقات والأنشطة الترفيهية وتوزيع الجوائز.
أصل كلمة «غبقة» ولكن، ما هو أصل كلمة «غبقة»؟ والإجابة أن هذه المفردة في لهجة أهل الخليج تعني العشاء الرمضاني المتأخر الذي يسبق وجبة السحور، أي أنها وليمة تؤكل عند منتصف الليل أو قبله بقليل، وهي أيضاً كلمة عربية أصيلة من حياة البادية، ويرجع أصلها إلى «الغبوق»، والغبوق هو حليب الناقة الذي يشرب ليلاً، وعكسه الصبوح الذي يشرب من حليب الناقة صباحاً، فيما يقول البعض، إن الغبوق وجبة خفيفة تؤكل في المساء، ولا خلاف على أن «الغبقة» هي وجبة رمضانية لا يمكن أن تقام في سائر أشهر السنة، وكانت في السابق، أيام الأجداد، تختلف نوعاً ما عما هي عليه اليوم في أشياء كثيرة، فطابعها ووجباتها كانت مختلفة، وكذلك بالنسبة إلى عدد الحضور إلا أن التسمية بقيت ومعنى اللقاء كعادة اجتماعية بقي أيضاً. وبحسب المؤرخ البحريني خليل محمد المريخي فإن الغبقة هي لقاء اجتماعي بين الأهل والمعارف، ولربما يمكن القول إن هناك غبقات للرجال وأخرى للنساء وثالثة للشباب، يجتمعون فيها لتناول الوليمة ولتبادل الأحاديث والسؤال عن أحوال بعضهم البعض والترفيه عن النفس وعادة ما تتنوع أطباق الغبقة، لكنها تشمل بشكل أساسي الأطباق الخليجية الشعبية الشهيرة كالثريد والهريس، ومن الأطباق التي كانت تشتهر بها الغبقات (المحمّر) وهو الرز المطبوخ بالسكر أو الدبس، فيما يفضل البعض تقديم «المجبوس» وبعضهم يفضل «المشخول» وفي الغالب، تخصص تلك الأطباق للغبقة حتى لو قدمت على وجبة الفطور، وتقدم أيضاً أطباق الحلويات مثل الساقو واللقيمات أو البلاليط بالإضافة إلى التمر والشاي والقهوة. الغبقه في ظل وجود كورونا ولأن ليالي رمضان هذا العام لم تعد كسابقاتها في الأعوام الماضية، التي كانت تضُج بالحياة من خلال «الغبقات» الرمضانية، بسبب انتشار فايروس كورونا في كل بلدان العالم، مُخفياً بذلك العادات الرمضانية في كل أقطار عالمنا الإسلامي. من الطبيعي أن تختفي هذه العادة مع العادات الأخرى، نظراً لاتباع الأهالي الإجراءات الاحترازية والتباعد حتى تزول هذه الجائحة. لذلك فإن الهدف الأسمى لهذا التقليد الرمضاني لن يتحقق هذا العام.