برز الحديث خلال الأيام الماضية مجددا عن احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي بإجراء الرفع الثاني لسعر الفائدة بنسبة 0.25% في شهر مارس المقبل، مع توقع تكرار هذا الإجراء أربع مرات ليبلغ مجموع الزيادة 1%. وعلاوة على مخاوف اتساع فجوة الدورة الاقتصادية بين اقتصاديات دول المجلس والاقتصاد الأمريكي من جراء هذه الزيادات، فإن التخوف العام لكافة الدول النامية بما في ذلك الدول الخليجية هو أن زيادة أسعار الفائدة قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات العالمية منها؛ لتتجه نحو الولاياتالمتحدة، مما يحرمها من مصدر مهم للنمو. صندوق النقد الدولي سعى للتعرف على هذه المخاوف، حيث لاحظ في دراسة قام بها أن ما حدث في السنوات السابقة التي تلت الأزمة العالمية عام 2008م حين اقتربت أسعار الفائدة من الصفر في الاقتصاديات المتقدمة بدأت رؤوس الأموال تتدفق بالفعل على الأسواق الصاعدة، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، بحثاً عن عائد أكبر. لكن مع اختتام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المرحلة الثالثة من برنامج تنشيط الاقتصاد عن طريق التوسع النقدي نهاية العام الماضي، بدأت الأسواق الصاعدة تستعد لارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية التي بدأت أولى خطواتها بالفعل قبل شهرين. إن رفع أسعار الفائدة يعني العودة لتشديد السياسة النقدية في الولاياتالمتحدة بعد بروز ملامح واضحة على تعافي الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي ينجم عنه تباطؤ في تدفق رؤوس الأموال الموجهة لأصول الأسواق الصاعدة أو يتخذ اتجاهاً عكسياً؛ نتيجة لتحسن جاذبية السوق الأمريكي، مما يؤثر على توافر التمويل في هذه البلدان أو على تكلفة الحصول عليه. وتركز دراسة الصندوق على تحليل فيما إذا كانت هذه التوقعات تشمل أيضا أسواق دول مجلس التعاون الخليجي. وللتعرف على الاستجابة الممكنة من جانب دول مجلس التعاون الخليجي إزاء عودة السياسة النقدية إلى مسارها الطبيعي في الولاياتالمتحدة، نظرت الدراسة في فترتين سادهما التقلب في الآونة الأخيرة منذ أعلن الاحتياطي الفيدرالي خطط التراجع عن شراء الأصول. وقامت الدراسة بتحليل التدفقات الموجهة إلى صناديق الاستثمار في الأسهم والسندات ذات الصلة بدول مجلس التعاون الخليجي أثناء فترتي التقلب الملحوظ في الأسواق الصاعدة في عام 2013 وأوائل 2014. ولا تقيس هذه البيانات إلا نسبة محدودة من التدفقات الرأسمالية الدولية، لكنها يمكن أن تكون مؤشرا مفيداً للاتجاهات السائدة. ولاحظت الدراسة أن موجة البيع أثناء الفترة الأولى، من مايو إلى سبتمبر 2013، جاءت عقب التصريحات غير المتوقعة من الاحتياطي الفيدرالي بشأن إمكانية عودة السياسة النقدية إلى مسارها الطبيعي. وفي هذه الفترة، كانت التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم والسندات في دول مجلس التعاون الخليجي تضاهي التدفقات الأسبوعية المناظرة من الأسواق الصاعدة الأخرى بوجه عام، مما يعكس تراجعاً واسع النطاق في مزاج المستثمرين تجاه فئة أصول الأسواق الصاعدة. وقد وصلت التدفقات التراكمية الخارجة إلى نحو 3.6% من الأصول المدارة لمجلس التعاون الخليجي، و4% من الأصول المدارة للأسواق الصاعدة الأخرى. لكن الضغوط على الأسواق الصاعدة خفت في سبتمبر 2013 حين فاجأ الاحتياطي الفيدرالي الأسواق بتأخير العودة إلى السياسة المعتادة، لكن التقلب عاد إلى الارتفاع الحاد في أوائل 2014 على خلفية القلق من مواطن الضعف في بعض بلدان الأسواق الصاعدة، الأمر الذي يمكن أن يتفاقم بسبب ارتفاع أسعار الفائدة. وهنا لاحظت الدراسة أن التأثير على دول مجلس التعاون الخليجي كان أقل بكثير مقارنة بالأسواق الصاعدة الأخرى في تلك الفترة، حيث تشير البيانات إلى أن حجم تدفقات الحافظة التي خرجت منها لا تتجاوز نصف التدفقات التي خرجت من الأسواق الصاعدة الأخرى، أو 0.6% من الأصول المدارة لدول مجلس التعاون الخليجي مقارنة بنسبة 1.2% للأسواق الصاعدة الأخرى. وبإجراء تحليل مماثل لما ورد في تقرير الاستقرار المالي العالمي لشهر إبريل 2014، خلصت الدراسة إلى أن البلدان التي تتمتع بمراكز أقوى من حيث أوضاع المالية العامة والحسابات الخارجية تعرضت لخروج تدفقات أقل في الفترة الثانية، وهو الأمر الذي ينطبق على دول المجلس ويميزها الأسواق الصاعدة الأخرى، حيث تتزامن في تحقيق قدر أكبر من الفوائض الخارجية وخروج قدر أقل من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. وداخل مجموعة مجلس التعاون الخليجي، كان خروج التدفقات أقل في الغالب بالنسبة للبلدان ذات الفوائض الأعلى. كما تلاحظ الدراسة أن وجود هوامش وقائية كبيرة في حساباتها الخارجية كان عاملا مهما في تفسير خروج تدفقات رأسمالية محدودة من دول مجلس التعاون الخليجي في فترة التقلب الثانية. وأثناء فترة الهبوط السريع لأسعار النفط من سبتمبر وحتى نهاية نوفمبر 2014، كانت التدفقات إلى دول مجلس التعاون الخليجي ثابتة نسبياً، على غرار الأسواق الصاعدة الأخرى. وبالنظر إلى الفترة ككل منذ بداية الحديث عن عودة السياسة الطبيعية في مايو 2013 وحتى الآن، يبلغ مجموع التدفقات الرأسمالية التي خرجت من دول مجلس التعاون الخليجي على أساس تراكمي أقل بقليل من نصف الحجم المسجل في الأسواق الصاعدة الأخرى. لذلك، يتبين أنه ورغم آفاق الاقتصاد العالمي غير المؤكدة واحتمالات ارتفاع أسعار الفائدة، فإن دول المجلس قادرة على الاحتفاظ بتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الداخلة إلى دول مجلس التعاون الخليجي بدرجة من المرونة. وهذه الدينامية متسقة إلى حد كبير مع التطورات في الأسواق الصاعدة الأخرى. ورغم أنه من السابق لأوانه تحديد الاستجابة الممكنة لتدفقات رؤوس الأموال الداخلة إلى دول مجلس التعاون الخليجي تجاه انخفاض أسعار النفط في الآونة الأخيرة، وخاصة إذا استمر الانخفاض، فإن الدراسة تبين أن الفوائض الخارجية الكبيرة التي كونتها دول المجلس في فترات ارتفاع أسعار النفط تبدو عاملاً مهماً ساعد على الصمود أمام التحولات في مزاج المستثمرين وسوف تسهم في الحد من تدفق الاستثمارات إلى خارجها.