البيتكوين تفشل في الحفاظ على تعافيها لتتراجع دون مستوى 89,000 دولار    الصحة القابضة تحصد جائزة "العمل" عن مسار السلامة المهنية للعام 2026    إثارة متواصلة في دوري يلو بعد الجولة 19 وأبها يواصل الصدارة    بيئة مكة تُتلف أكثر من طن أسماك فاسدة في أسواق جدة    القبض على مخالف لنظام أمن الحدود لتهريبه (8) كيلو جرامات من "القات" بالداير    "هداية" تحتفي بإنجازاتها لعام 2025 وتوقّع شراكات مجتمعية    جمعية "نبأ" تُكرم "73" حافظة للقرآن الكريم خلال عام 2025 في خميس مشيط    طرح 100 فرصة استثمارية لتعزيز الاستدامة البيئية في 11 منطقة    الجدعان يعلن بدء تنفيذ "الإستراتيجية الوطنية للتخصيص"    مسرح GOY arena يستعرض جاهزيته خلال جولة إعلامية ومؤتمر صحفي بالدمام    الاتحاد يفرض شروطه على انتر ميلان لبيع موسى ديابي    وزير البيئة الأوزبكي يزور المركز الوطني للأرصاد ويطّلع على تجارب المملكة في مجالات الأرصاد    نظام تملّك غير السعوديين للعقار يعزّز تنافسية المملكة ويُسهم في تطوير بيئة الأعمال والاستثمار    إسقاط 9 طائرات مسيرة أوكرانية خلال الليل    الجامعة الإسلامية تفتح آفاقًا جديدة لتنمية الوقف الزراعي    برعاية أمير المنطقة الشرقية.. انطلاق النسخة الثالثة من مهرجان البشت الحساوي بالأحساء    "تعليم جازان" يحصد 22 جائزة في معرض إبداع للعلوم والهندسة    الوعي والإدراك    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    الانتماء والحس الوطني    الهلال يجدد عرضه لميتي    «الخديدي» يسطر «الذاكرة الجماعية» في سيرة من رأى    "أداء" و"التعليم الإلكتروني" يعززان التدريب    وزير الشؤون الإسلامية: ولي العهد مثال يحتذى به في القوة والشجاعة والعزيمة    بوتين يؤكد دعم جهود الشرع ووحدة الأراضي السورية    الرئيس الأميركي: كوبا تقترب من الانهيار    الشخصية المثمرة    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    "سلامة المرضى" يناقش توجهات الرعاية الآمنة    زيلينسكي يبدي استعداده للقاء بوتين.. الأراضي وزابوروجيا تعرقلان مسار السلام    زياد الجهني: نسعى لإسعاد جماهير الأهلي بلقب الدوري    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    ليست مجرد كرة قدم    الإيطالي ميلان يواصل تألقه في طواف العلا 2026    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    لا تزال قيد الدراسة.. 3 خيارات للجيش الإسرائيلي لإخضاع حماس    خطوة مرتقبة لحركة الأفراد بعد عامين من الإغلاق.. اكتمال الاستعدادات لإعادة فتح معبر رفح    الخريف يدشن خطوط إنتاج في جدة.. السعودية مركز إقليمي لصناعات الدواء والغذاء    انطلاق هاكاثون «علوم الطوارئ » في فبراير المقبل    «التجارة» تتيح إصدار تراخيص تخفيضات رمضان والعيد    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    السعودية في مواجهة الإرهاب رد بالوقائع لا بالشعارات    وكيل وزارة التعليم للتعليم العام يفتتح ملتقى نواتج التعلم «ارتقاء»     ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    الشؤون الإسلامية بجازان تُهيّئ جوامع ومساجد محافظة ضمد لاستقبال شهر رمضان المبارك 1447ه    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خطيب المسجد الحرام يوصي بتقوى الله: من عرفه أطاعه
نشر في الوئام يوم 10 - 12 - 2021

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور ماهر بن حمد المعيقلي المسلمين بتقوى الله، فمن عرفَ الله أطاعه، ومن أحبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لزِمَ سنَّته، ومن قرأَ كتابَ الله عمِلَ به، ومن أيقنَ بالموت استعدَّ له، وتفكَّر في مُنصرَف الناس يوم القيامة: فريق في الجنة، وفريق في السَّعير .
وقال فضيلته في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: إن من مقاصد الشريعة الكبرى، بل من الضروريات العظمى، المحافظةَ على الأموال، التي تقوم بها مصالح العباد، ولأهمية المال؛ شرعت الملكية الخاصة والعامة، وشرع للمرء أن يدافع عن ماله، فمن قتل دون ماله فهو شهيد، وأطولُ آيةٍ في كتاب الله، جاءت في شأن المال، والتصرُّف فيه وتوثيقه، وضبطه وحفظه، فالمال قرين العرض والدم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))، رواه مسلم، وفي الصحيحين، عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ))، فبنو آدم، مجبولون على حب المال، والسعي في طلبه، فيشيب ابن آدم، وقلبه لا يزال شابّا على حُبِّ المال، إلا من رحمه ربه، وجعل غناه في قلبه، فالمال فتنة، يبتلي الله به من شاء من عباده؛ فمن أجمل في طلبه، وأنفقه في حقه؛ فقد فاز وربح، وأفلح وأنجح، وكان بركةً عليه وأجرا، ولورثته ذخرا ومغنما.
وأضاف فضيلته: أما من جعل المال أكبرَ همِّه، فالحلال عنده ما حل بيده، ولم يبال من أين أكتسبه، فقد أصبح ماله وبالاً عليه، إن أمسكه لم يبارَكْ له فيه، وإن تصدقَ به لم يُقبل منه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن خلّفه وراء ظهره، كان زادا له إلى النار، غرمه عليه، وغنمُه لورثته، ولا يثبت أمام هذه الفتنة، إلا الصادق النزيه، فالنزاهة: هي دليل الديانة، والصدق والأمانة، فمن نزَّه نفسَه، فقد أبعدها عَنِ الْمَطَامِعِ الدَّنِيَّةِ، وحفظ كرامتها وعزتها، وبذل أسبابَ غناها ورضا الرحمن عنها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان يربّي أصحابه، على العفة والنزاهة، ففي الصحيحين عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى»، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى تُوُفِّيَ رضي الله عنه وأرضاه، فالمسلمُ كلما تحلى بخُلُقِ النَّزَاهَةِ، أثْمَرَ في قلبه الورع والقناعةَ، واتصف بالصدق والأمانة، فنالَ محبَّة ربه، وفاز بمرضاته. قال الماوردي رحمه الله: "والنَّفس الشَّريفة تطلب الصِّيانة، وتُرَاعي النَّزاهَة، وتحتمل من الضُّرِّ ما احتملت، ومن الشِّدَّة ما طاقت، فيبقى تحمُّلها، ويدوم تصوُّنها".
وأوضح إمام وخطيب المسجد الحرام أنه إذا تخلى الناس عن خلق النزاهة، حل الفساد في المجتمعات، وضُيِّعت الأمانات، ونُهِبَت الخيراتُ، فالفسادُ يعصف بالقِيَم الأخلاقيَّة، القائمةِ على الصدق والأمانة، وينشُر الكذب والخيانة فالفسادُ يجعلُ المصالحَ الشخصيَّة، هي التي تتحكَّمُ في القرارات، فتتعثَّرُ المشارِيع، ويضعُفُ الإنتاج، ويتدنى مُستوى الخِدمات العامَّة ويُعزِّزُ العصبيَّةَ المقيتة، مذهبيَّةً كانت أو قبَليَّةً أو حِزبيَّةً.
وأكد الشيخ المعيقلي أن الفساد داءٌ عضالٌ إذا استشرى بأمَّة، أطاح بأركانِ نهضتِهَا، وكانَ سببًا كبيرًا في فشل تنميتها، وضياع مقدراتها، وإهدار مواردها، بسبب اختلال ميزان العدلِ فيهَا، فالنزاهة والعدل، أصل كل خير، والفساد والظلم، أصل كل شر، وللفسادِ المالي، صور كثيرة ومتعددة: اختلاس ورشوة، وتزوير وخيانة، فمن انعقد قلبه على الخيانة، تلطخ بالصور الباقية، فالرشوة من أعظم أبواب الفساد، وهي من كبائر الذنوب والخطايا، سواء سميت إكرامية أو هدايا، والراشي والمرتشي والرائش، ملعونون عند الله، مطرودون من رحمته، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أغضبوا ربهم، وخانوا أمانتهم، وغشوا أمتهم، فخسروا دينهم ودنياهم.
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أبواب الفساد المالي فمنع من تولى عملا للمسلمين، أن يستغل وظيفته، لمصالحه الشخصية، ووضع صلى الله عليه وسلم، قواعد وضمانات، لحماية المال العام، ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى الصَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ))، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ((أَلا هَلْ بَلَّغْتُ)) ثَلاَثًا بلى لقد بلّغ عليه الصلاة والسلام، فوالله لن تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
وأفاد إمام المسجد الحرام أن الأخذ من المال العام بغير حق، ظلم عظيم، يهوي بالمجتمع إلى فساد عريض، وهو جريمة في الشرع المطهر، وخيانة لولي الأمر، وكذلك من استرعاه ولي الأمر على عمل، فلا يحل له أن يأخذ فوق حقه، فما أَخذ فوق حقه فهو غُلُول، يغلُّ يد صاحبه يوم القيامة، ولو كان شيئا يسيرا، ففي صحيح مسلم: عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: ((وَمَا لَكَ؟))، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى))، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فمال الدولة، الأصل فيه الحرمة، وهو بمنزلة مال اليتيم، في المحافظة عليه، وتحريم الأخذ منه، والحرص الشديد على صرفه، بما تقتضيه المصلحَة ففي صحيح البخاري، قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ))، قال ابن حجر رحمه الله: "أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل"، فاختلاس الأموال العامة، قليلها وكثيرها، كبيرة من الكبائر، من عظم جرمها وحرمتها، تُبطل ثواب الجهاد في سبيل الله، وتذهب أجر الشهادة، فهذا رجل خرجَ مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُال الصحابة رضي الله عنهم: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ))، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ))، رواه البخاري ومسلم ولقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، صاحبه كعب بن عجرة رضي الله عنه، فقال له: ((يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ))، رواه الترمذي في سننه والسحت: هو الحرام الذي لا يحل كسبه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وذلك لأن الطعام، يخالط البدن ويمازجه وينبت منه، فيصير مادة وعنصرا له، فإذا كان خبيثا، صار البدن خبيثا فيستوجب النار؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((كُلُّ جِسْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ))، والجنة طيبة، لا يدخلها إلا طيب".
وبين إمام وخطيب المسجد الحرام أن من ضعفت نفسُه، واتبع هواه وشيطانه، فأخَذ شيئا من المال العام بغير حله، وجبت عليه التوبة، ورد المال إلى خزينة الدولة، فعلى اليدِ ما أخَذَتْ حتى تؤديه، فالمال العام، حمايته واجبة، وحُرمته عظيمة، لكثرة الحقوق المتعلِّقة به، وتعدُّد الذمم المالكة له، فلنتقِ الله عباد الله، وَلْنراقبْه في كل صغيرة وكبيرة، فحقوق العباد مبنية على المشاحة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، والله جل جلاله يعفو ويصفح، ويتجاوز فيما يكون بينه وبين عبده، وأما حقوق العباد، فموقوفة على التحلل والاستباحة، فالعاقل يتقي اللهَ تعالى فيما يأخذ ويذر، ويتذكَّر تحذير النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، من الفضيحة يوم المحشر، وطوبى لمن حفظ أمانته، وأطاب مطعمه، وأحسن في تعامله، وصدق في حديثه، وأمِنَ الناس بوائقه، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
ونوه أن الأمانة صلاح وشرف وكرامة أمر سبحانه بحفظها ورعايتها، وفرض أداءها والقِيام بحقِّها، وهي من صفات الأنبياء والمرسلين، يبلغون بها رسالة ربهم، ويقيمون الحجة على أقوامهم، فما من نبي إلا قال لقومه: ((إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ))، ونبينا صلى الله عليه وسلم خير الأمناء، بشهادة الأعداء، فهو الصادق الأمين، وفي الصحيحين، من حديثِ عبدِ اللهِ بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: "سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ"، فالأمانة من علامات الإيمان، وخيانتها نِفاقٌ وعصيان، وسبب للسقوط في النيران، فإذا ضُرب الصراط على متن جهنم، كانت دعوةُ الأنبياء هناك: اللهم سلّم سلم، ففي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: ((وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ، يَمِينًا وَشِمَالًا)).
وأكد أن الفساد المالي، على اختلاف أشكاله وصوره، من خيانة الأمانة، وأكل أموال الناس بالباطل، ظلما وعدوانا، وزورا وبهتانا، ولا يقف أمامه إلا الحارس الأمين، المُخلِصُ لدينه ووطنه، الصالحُ في نفسه، والمُصلِحُ لغيره، فيأمرُ بالصلاح، وينهى عن الفساد، ويُحافِظُ على مُكتسَبات البلاد، ويجعل من نفسه، مرآةً لجهات الرقابة والنزاهة، فمن لم يرهبه وعيد القرآن ردعته درة السلطان، والله يَزَعُ بالسلطانِ، ما لا يَزَعُ بالقرآنِ، وشريعتنا المباركة، قد جعلت من الرَّقابة، مسؤوليَّةً يتحمَّلُها الفردُ كما تتحمَّلُها الجماعة قال تعالى ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)).
وختم إمام وخطيب المسجد الحرام خطبته بالقول : الواجب علينا معاشر المؤمنين أن نتعاون مع أجهزة الدولة، المعنية بالرقابة والنزاهة، وإنا لنحمدُ الله عز وجل، في هذه البلاد المُبارَكة أن أصبحت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، مثالا رائدا يحتذى به، في محاربة الفساد بكل صوره وأشكاله، فكونوا أيها الْمُؤمنون، يدًا واحدةً مع وُلاة أَمركم، لنهضة وطنكم، وعلو شأنكم، ولتفلحوا في دينكم ودنياكم، ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتقوى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.