في خضم الحراك الفني والفكري والاجتماعي الذي تعيشه المملكة اليوم تتداخل المفاهيم والمصطلحات والرؤى والأفكار، لدرجة من شأنها أن تؤثر في طبيعة هذا الحراك وأهدافه ونتائجه. الفعاليات الفنية التي تشهدها مختلف مناطق المملكة على مدار العام كثيرة ومتنوعة، سواء أكانت حكومية، أم مرتبطة بالقطاع الخاص، أكانت معارض فنية، أم فعاليات ترفيهية، أكانت مؤتمرات وندوات علمية أو حتى أكاديمية، وهناك من الشواهد والوقائع ما يؤكد الحاجة لإعادة تعريف بعض المفاهيم المتعلقة بالفن وما يدور في فلكه لكي ليكون إضافة حقيقية لمفهوم الفن. بداية وقبل كل شيء فإن الفن ظاهرة إنسانية اجتماعية في آن واحد. فلا وجود لفن خارج المجتمع. ومن هنا فإن الحديث عن الفن يفضي قبل ذلك إلى الحديث عن المجتمع الحاضن له، وهذا ما يحيل الفن ذاته إلى مجرد أحد مواضيع علم الاجتماع. والحديث عن الفن يقتضي بالضرورة الحديث عن صانع لهذا الفن، أيا كان شكل الفن، وأيا كان صانعه. المجتمعات التقليدية تنتج فنا تقليديا والمجتمعات المتخصصة بحكم تخصصها تصنع فنونا مختلفة. ولذلك فإن العلاقة طردية بين درجة تخصص المجتمع وتعدد فنونه، فكلما تخصص أفراد المجتمع أكثر كلما ازداد نتاجه الفني والعكس صحيح. في المجتمعات التقليدية حيث لا يوجد تقسيم واضح للعمل يتسم فنها بأنه جمعي يعبر عن الجماعة وروحها أكثر مما يعبر عن أي فرد من أفرادها. وهنا ومن باب الدقة في الطرح يطرح السؤال نفسه: هل نتاج المجتمعات التقليدية يدخل ضمن تعريف الفن أم أن هناك توصيفات أكثر دقة لوصفها؟ ببساطة يمكن القول بوجود فن ينتجه المجتمع ككل وفن ينتجه الأفراد وقد لا يعبر بالضرورة عن المجتمع أكثر مما يعبر عن الفنان نفسه. هذا الطرح هو في صلب المسار التاريخي للفن وهذا هو تعريف الفنان في الغرب. فقد أصبح الفن في المفهوم الغربي نتاجا مرتبطا بشخص بعينه أكان رساما، أم نحاتا، أم معماريا، أو في العصر الحديث كان ممثلا سينمائيا، أو مغنيا، أو أي نشاط فني آخر. وجود المصطلح لغويا في أي ثقافة وحضارة يعني وجوده اجتماعيا، وفي اللغة العربية لا يوجد مصطلح يصف الإنتاج المادي أو غير المادي لشخص بعينه على أنه فن، وعليه فإن مفهوم الفنان كصانع لمحتوى فنه، أيا كان هذا الفن هو مصطلح مكتسب، ويجب نتيجة لذلك إعادة تعريف الفن وصانعه في المجتمعات التقليدية لكي يتسنى لنا الحديث عن الفن بصورة أوضح. إن تسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية يفضي حتما إلى الخروج بفهم غير واضح من قبل الناس ويحيد بالموضوع عن هدفه. فعلى سبيل المثال عادة ما يتم تداول مصطلح الفنون التقليدية في أدبيات الفنون الدارجة لدينا، وهنا يجد المرء نفسه أمام مفهومين متقابلين يطرحان السؤال التالي: هل يجتمع الفن بالتقليد. نحن هنا أمام معضلة في فهم كل من الفن والتقليد. فالفن هو منتج فردي للفنان، في حين أن التقليد يعني بالضرورة نتاجا جماعيا متوارثا وهنا يحدث التناقض في استخدام المفاهيم. ربما كانت العمارة التقليدية في العالم العربي والإسلامي أوضح تعبير عن ذلك. يكمن سر جماليات العمارة التقليدية في انسجامها وانتمائها لمكانها وأناسها وزمانها. هذه العمارة بما حوت من فنون البناء والنقوش والزخارف وكل ما يحتويه قاموس العمارة تبقى نشاطا اجتماعيا متفقا عليه يبنيه الناس، كل الناس وليس فردا بعينه. إن ارتباط أسماء كثير من الأسر والجماعات في المجتمعات التقليدية بالنشاط الذي تمارسه كل أسرة وجماعة يحيل مفهوم الفن في هذه المجتمعات ربما إلى «الحرفة» أو «الصنعة» أكثر منه إلى مفهوم الفن، وهذا يتطلب طرحا جديدا كلية في فهم الفن التقليدي والبناء عليه. في أوساط ذات تكوينات مجتمعية تقليدية يكون التعبير جمعيا، على عكس الفن بمفهومه الحديث الذي يتطلب التخصص الفردي. وهنا يجد الفنان نفسه على مفترق طرق في علاقته بمجتمعه، ما يفتح المجال واسعا أمام تعدد المدارس والاتجاهات الفنية. وتبقى العلاقة بين تفرد الفنان في مجتمعه أو انضوائه تحت مظلة فنونه التقليدية، مرتبطة بمدى تفاعل المجتمع مع مفهوم الفن وتطوره.