يخرج علي لاريجاني اليوم مخاطبًا المسلمين بلغة المظلومية، داعيًا إلى وحدة الأمة الإسلامية في مواجهة ما يسميه «العدوان». لكن قبل أن يضع نفسه في موقع الناصح للعالم الإسلامي، هناك سؤال لا يمكن القفز فوقه: ماذا فعلت سياسات طهران بالمسلمين والعرب خلال العقود الماضية؟ منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أعلنت القيادة الإيرانية ما سمّته «تصدير الثورة». قُدِّم هذا المشروع يومها على أنه رسالة تضامن مع المسلمين، لكنه في الواقع تحوّل مع الوقت إلى مشروع نفوذ سياسي وعسكري امتد عبر الميليشيات والسلاح، وأعاد إحياء الانقسامات الطائفية داخل المجتمعات العربية بدل أن يقرّب بينها. في سوريا، لم يكن التدخل الإيراني دعمًا لشعب أو دفاعًا عن قضية، بل وقوف إلى جانب نظام حوّل مدنه إلى أنقاض وسالت في عهده دماء مئات الآلاف. هناك لم يكن الهدف نصرة الإسلام كما يُقال، بل تثبيت نفوذ جغرافي يربط طهران بالبحر المتوسط. وكانت النتيجة بلدًا مدمرًا وشعبًا مشرّدًا. وفي العراق، بعد انهيار الدولة، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الفوضى. بدل أن تساعد إيران على استقرار بلدٍ جار، رعت شبكة من الميليشيات التي مزّقت النسيج الوطني وأغرقت المجتمع في صراعات طائفية ما زالت آثارها حتى اليوم. أما في لبنان، فقد تحوّل السلاح الذي قيل إنه لمواجهة إسرائيل إلى أداة لفرض ميزان قوى داخلي مختل. والنتيجة دولة مشلولة القرار، واقتصاد ينهار، وشعب يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها. وفي اليمن، أدى دعم الميليشيات إلى حرب طويلة أنهكت البلاد وتركت ملايين اليمنيين في واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في العالم. أما في البحرين ودول الخليج العربي، فلم تتوقف محاولات التدخل في الشؤون الداخلية، سواء عبر التحريض السياسي أو دعم مجموعات مرتبطة بالمشروع الإيراني. كل هذا يجعل حديث لاريجاني عن «وحدة الأمة الإسلامية» يبدو منفصلًا عن الواقع. فالوحدة لا تُبنى بالسلاح خارج الدولة، ولا بزرع الميليشيات، ولا بإشعال الانقسامات الطائفية التي مزّقت مجتمعات بأكملها. العالم الإسلامي لا يحتاج إلى خطابات تعبئة جديدة. ما يحتاجه ببساطة هو احترام سيادة الدول وترك شعوب المنطقة تبني دولها بعيدًا عن مشاريع الهيمنة. وقبل أن يسأل علي لاريجاني المسلمين: إلى أي جانب تقفون؟ ربما عليه أولًا أن يواجه سؤالًا أكثر وضوحًا: كم مدينة عربية دُمّرت؟ كم مجتمعًا تمزّق؟ وكم دمٍ سُفك باسم المشروع الذي يدافع عنه اليوم؟ والحقيقة التي يعرفها الجميع في منطقتنا أن المجتمعات العربية لم يدمّرها شيء بقدر ما دمّرتها سياسات النظام في إيران منذ قيام ثورته. فمن نشر الطائفية وأجّج الانقسامات المذهبية في العالم العربي لم يكن إلا هذا المشروع نفسه، الذي قاده قادة الثورة وأدارته أذرعه العسكرية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني. طوال عقود، رفعت طهران شعار العداء لإسرائيل وهددتها في الخطابات والمنابر، لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا. فخلال أكثر من أربعين عامًا، كان الحضور العسكري والسياسي الإيراني يتوسع أساسًا في العواصم العربية، وكانت ميليشياته تنشط داخل الدول العربية، لا لتحريرها بل لإضعافها والسيطرة على قرارها. وهكذا، بينما كانت الشعارات تتحدث عن «المقاومة»، كانت النتيجة على الأرض دولًا عربية منهكة، ومجتمعات ممزقة، وعواصم تحولت إلى ساحات نفوذ. لهذا، فإن المشكلة لم تكن يومًا في غياب وحدة الأمة، بل في السياسات التي مزّقت هذه الأمة وأضعفت دولها، وفتحت جروحًا ما زالت منطقتنا تدفع ثمنها حتى اليوم.