«الغُنم بالغُرم» قاعدة فقهية على مستوى الديانة، وتنبني عليها «المسؤولية الدولية» كقاعدة على مستوى السياسة الحديثة، ويضاف لها من القواعد السياسية «السيادة مقابل الالتزام». ولهذا لن أذهب بعيداً إلى أوروبا لأستوعب التنافس الإيجابي بين فرنسا وألمانيا في الزعامة الأوروبية بميكانيزمات تقود إلى الأمام لا إلى الخلف... الخ. هذه المقدمة طرأت لأني كنت أريد الكتابة عن السعودية بطريقة تتجاوز «الترافع الوطني ذي النزعة القومية الحادة» إلى مقاربة أكثر موضوعية يؤيدها الواقع التاريخي والجغرافي، فلما جاءت إشكالات الحرب في المنطقة مع إيران من قبل أمريكا وإسرائيل، ثم فوضى الرد الإيراني الذي خدش الأراضي العربية ببعض الحوادث التي لها تكييفها وتقييمها في «القانون الدولي»، اكتشفت حقيقة «الزعامة السعودية» لجزيرة العرب بعيداً – كما قلت – عن «الترافع الوطني ذي النزعة القومية الحادة» الشوفينية التي تلغي دور دول الجوار السياسي، وأقول «الجوار السياسي» لأن التداخل في «الجوار الاجتماعي» فوق كل اعتبار، ومهما «اختلفنا» يبقى الأصل ثابتاً. أقول: إن أكثر دولة في جزيرة العرب تشعر بالمسؤولية تجاه الدول العربية، ومنها على الخصوص دول جزيرة العرب شرقاً وجنوباً وشمالاً، هي المملكة العربية السعودية، فأحداث ما سمي «الربيع العربي» شاهدة على ذلك، فهدف السياسة السعودية كان ولا يزال «تحقيق الاستقرار»، لا الوقوف في وجه تطلعات الشعوب كما يروّج البعض، فثمة من يرفع شعار «حق تقرير المصير» لا ليمنح الشعوب حقها، بل ليفتت المنطقة، وهذا ما لا تقبله أي دولة ذات وزن سياسي وتاريخي وجغرافي تدرك مسؤولياتها أمام نفسها وأمام جوارها والعالم. أما «الخفيف» فيعذر على طيرانه مع كل ريح، ولولا أن «توضيح الواضحات من المعضلات» لذكرت تفاصيل الحدود السعودية مع «ثماني دول عربية بطول يقارب 4351 كلم»، وحدودها البحرية على الخليج والبحر الأحمر التي تتجاوز «3400» كلم، لكن يكفي أن يقال إن الجغرافيا تفرض على السعودية ما لا تفرضه على غيرها. ولعل أبرز مثال تاريخي على هذا الدور موقف السعودية في «أزمة احتلال الكويت» فقد تحملت تبعات استقبال جيوش ثلاثين دولة آنذاك، مادياً ومعنوياً، بينما كان يتجاهل البعض اتساع مساحة المملكة محاولاً تأجيج الوجدان العربي والإسلامي، آنذاك كما لو أن حفر الباطن حي من أحياء مكةالمكرمة، رغم أن المسافة بينهما «1165» كلم، أي أطول من المسافة بين «الموصل» في العراقو«بيروت» في لبنان على ساحل البحر الأبيض المتوسط وبينهما الأردن وسوريا، ومع أن «ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند» فإن السعودية إدراكاً لدورها التاريخي، غفرت لمن ظن أن «حب الخشوم ينسينا الخطأ»، فالسعودية بكل حكمة «تدمح الخطأ لكنها لا تخون ذاكرتها». أعتذر عن الاستطراد لكنه نابع من إيماني بحق كل دول الجوار أن تنسج خيوط سيادتها على أرضها كما تريد، وأن تراعي في فضائها الجيوسياسي إمكانياتها «الحقيقية» أولاً، وإمكانيات الدول المجاورة ثانياً، ولهذا سأطرح مثالاً بعيداً عن قوميتي السعودية، ولتكن مصر مثلاً: فهل يعقل أن تأتي دولة بعيدة جغرافياً عن مصر، ولأسباب لا علاقة لها بالسياسة بقدر علاقتها بذكاء تجارة الشنطة، فتمارس بروباغندا سلبية على دولة مثل «مصر»!؟!! حتى ولو كانت مصر في أضعف حالاتها أيام ما سمي (الربيع العربي)، بينما الموقف السعودي الذي يدرك حجمه سابقاً ولاحقاً، وقف ضد «الهوجة» الناصرية، بكل ما فيها من عته وطيش، ثم وقف مع «مصر» في مؤتمر الخرطوم ثم حرب أكتوبر 1973... الخ مما دوّنه التاريخ السياسي العربي، وليس التاريخ السعودي فقط. ما أريد قوله هنا، إن الأحداث الحالية تؤكد أن ما يصيب دول الخليج العربي يقع عبؤه الأكبر على السعودية، حتى على المستوى المعنوي، فالدولة الخليجية لا تنتظر من دولة خليجية أخرى ما تنتظره من السعودية، رغم إطار «مجلس التعاون»، ومن أخلاقيات السياسة إدراك أن أي عدوان على دول الخليج هو خط أحمر سعودي، فكل عواصم الخليج في نظرها كأنها «الرياض»، والأحداث المفصلية الكبرى مثل «احتلال الكويت» ثم أحداث «الربيع العربي» في بعض دول الخليج العربي تشهد على ذلك. يبقى تقاسم «الأدوار الخليجية والعربية» ضرورة يؤكدها الواقع، لكن تغول الأدوار يربك المشهد مما يضيق به «مواطن» يكتب في صحيفة سعودية، فأنا لا أمثل سوى ما يمثله «حجَّار» كان يقص الأحجار لتصبح جاهزة للبناء، وعندما سُئِل أمثاله من الحجَّارين لماذا يفعلون ذلك، قالوا: نكد في هذه الحياة النكدة من أجل مصالحنا، بينما كان يجيب بعزة وأنفة: أقطع الأحجار لأني مشارك في بناء سور عظيم يحمي قلعة وطني، وأرجو أن أكون هذا الحجَّار الذي يقص الأفكار «حروفاً وكلمات» لعلها تكون لبنة في قلعة عربية يعاد تشييدها على أنقاض «جامعة عربية» اختلفت معطيات نشأتها نهاية الحرب العالمية الثانية عن معطيات الواقع العربي «القادم»، ولأن «المملكة العربية السعودية» من الدول الثماني المؤسسة لهذه الجامعة عام 1945م كتبت المقال لها بعيداً عمَّا يضايق بعض العرب من حماس «نزعتنا القومية السعودية» في الردود على وسائل التواصل. ولأبناء «القومية السعودية» كل العذر في هذا الحماس، فالواقع السايبري يعج بمجهولي النسب صنائع «المخابرات الدولية»، ومع ذلك يبقى لكل دولة عربية كامل الاحترام والتقدير.