عادت الحدود الفاصلة بين باكستانوأفغانستان إلى واجهة التوتر الإقليمي، بعد تصعيد عسكري متبادل، معيدا ملف خط ديورند التاريخي بكل ما يحمله من إرث إلى الواجهة. التطورات العسكرية الميدانية، تزامنت مع تحرك دبلوماسي لافت بين كابولوالهند، ما أثار تساؤلات حول الدور الهندي في إعادة إشعال النزاع الكامن. وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، وما سبقها، برزت السعودية كوسيط إقليمي يتحرك لاحتواء التصعيد ومنع تمدده. تطورات أخيرة شهدت الأيام الأخيرة جولة تجديد الاشتباكات بين الجارين المسلمين بعدما كانت الجولة التي سبقت قد وقعت في أكتوبر الماضي. في الجولة الأخيرة شنت باكستان غارات جوية في أفغانستان، قالت إنها كانت ردا على هجمات انتحارية تعرّضت لها بما فيها هجوم على مسجد في إسلام آباد مطلع الشهر الماضي. وأشارت باكستان إلى أن هجماتها استهدفت بناء على معلومات استخبارية 7 معسكرات ومخابئ إرهابية تابعة لحركة طالبان الباكستانية، فيما أشارت أفغانستان إلى أن الغارات أسفرت عن قتلى مدنيين. في تطور لاحق حدث تبادل لإطلاق النار على الحدود، وقتل 4 شرطيين باكستانيين في كمين على الحدود. بدوره، شن الجيش الأفغاني هجوما واسع النطاق على مواقع باكستانية في 3 ولايات حدودية، وقال إنه قتل 10 جنود باكستانيين وسيطر على 13 نقطة عسكرية على طول الحدود. تصاعد التوتر منذ سيطرت طالبان على كابل في 2021 تصاعد التوتر بين الدولتين، وفي 2022 بدأت باكستان بناء سياج حدودي لمنع تسلل المسلحين، اعترضت عليه طالبان، ما رفع حدة المواجهات بينهما. وفي ديسمبر 2025، اندلعت اشتباكات بين القوات الباكستانية وعناصر من حركة طالبان الأفغانية قرب معبر سبين بولدك-تشامان الحدودي، في واحدة من أسوأ المواجهات منذ بدء محاولات التهدئة بين الجانبين قبل نحو شهرين. جذور تاريخية لا يمكن فهم الأزمة الراهنة بين باكستانوأفغانستان دون العودة إلى عام 1893، حين رُسم خط ديورند بموجب اتفاقية أبرمتها الإمبراطورية البريطانية مع أفغانستان، وهو خط الحدود الذي يفصل بين البلدين، والذي يوصف بأنه لغم زرع بين البلدين، وقد وقعه أمير أفغانستان عبدالرحمن خان والوزير البريطاني هنري مورتيمر دورند، وهو يوضح الحدود بين بريطانيا (كانت تحتل الهند حينها) وأفغانستان، إلا أن باكستان التي استقلت عن الهند عام 1947 وأفغانستان لم توقعا أي اتفاق يرسم الحدود بشكل نهائي. ومنذ تأسست باكستان زاد التوتر بين البلدين، حيث لم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة بالاتفاق الذي كانت مدته 100 سنة، فيما تعترف به باكستان وبعض الدول كحدود دولية. ولهذا الخط أهمية كبيرة، فيشكل عمقا إستراتيجيا لأن طبيعته الجبلية تجعل ضبط الحدود مكلفا عسكريا، وله هوية قبلية، حيث يقسم مناطق البشتون بين دولتين، ما يخلق امتدادات اجتماعية عبر الحدود، ويضم معابر حيوية مثل ممر خيبر ومعبر تورخم وسبين بولدك. تصعيد متبادل في فبراير الماضي، دخلت المواجهة مرحلة أكثر حدة، مع تبادل للقصف المدفعي واشتباكات حدودية متفرقة. وتضاربت الأرقام بشأن الخسائر البشرية والعسكرية، في ظل حرب بيانات موازية للمعركة الميدانية. وبدا أن الطرفين انتقلا من ردود أمنية محدودة إلى رسائل عسكرية مفتوحة، تحمل أبعاد ردع سياسي أكثر منها عمليات تكتيكية عابرة. هذا التصعيد أعاد طرح تساؤلات حول قدرة الاتفاقات السابقة لوقف إطلاق النار على الصمود، في ظل غياب معالجة جذرية لملفات الحدود والجماعات المسلحة. عود الثقاب الهندي تزامن التصعيد مع تحركات دبلوماسية بين كابول ونيودلهي، شملت إعادة فتح السفارة الهندية في العاصمة الأفغانية. ورغم أن الخطوة قُدمت باعتبارها تعزيزًا للعلاقات الثنائية، فإنها أثارت حساسية واضحة في إسلام آباد. فبالنسبة لباكستان، يُقرأ أي تقارب أفغاني هندي في سياق صراعها التاريخي مع الهند، ويُنظر إليه كضغط إستراتيجي محتمل على جبهتها الغربية، في وقت تبقى فيه جبهتها الشرقية مصدر توتر مزمن. ومن هنا، برز التساؤل حول ما إذا كان التحرك الهندي قد شكّل عاملًا محفزًا لتشدد باكستاني على خط ديورند. ورغم غياب أدلة مباشرة، فإن التزامن الزمني منح الأزمة بعدًا إقليميًا يتجاوز حدود البلدين. الوساطة السعودية وسط هذا المشهد المتشابك، تحركت السعودية بهدوء لتخفيف الاحتقان، مستفيدةً من علاقاتها الوثيقة مع باكستان، وسعيها لبناء قنوات تواصل مستقرة مع كابول. وأعلنت السلطات الأفغانية الإفراج عن 3 جنود باكستانيين كانوا محتجزين منذ أشهر، استجابةً لطلب سعودي مباشر. ويرى محللون سياسيون أن هذه الخطوة حملت دلالة سياسية تتجاوز بعدها الإنساني، إذ عكست قدرة الرياض على لعب دور توازني في لحظة تصعيد، وسعيها للحفاظ على استقرار إقليمي يرتبط بأمن الخليج وممرات التجارة والطاقة. آفاق الحل رغم التوصل إلى تفاهمات سابقة لوقف إطلاق النار، فإن جذور الأزمة ما زالت قائمة؛ خلاف على شرعية الحدود، واتهامات متبادلة بشأن إيواء جماعات مسلحة، وتنافس إقليمي متشابك. ويؤكد مراقبون أن استمرار المعالجة الأمنية وحدها لن يكون كافيًا، ما لم تُرفق بحوار سياسي مباشر يعالج القضايا الجوهرية. يبقى خط ديورند نزاعًا كامنًا تحت الرماد، قد تُعيد أي شرارة إقليمية إشعاله. والسؤال المطروح اليوم ليس فقط من أشعل الفتيل، بل ما إذا كانت الأطراف المعنية تملك الإرادة السياسية لإطفائه قبل أن يتحول إلى حريق إقليمي واسع.