يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الاقتصادي العالمي كلما تصاعد التوتر في المنطقة، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم. فالمضيق الذي يفصل بين سلطنة عُمان وإيران تمر عبره يومياً كميات ضخمة من صادرات الطاقة القادمة من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، ما يجعله نقطة ارتكاز في معادلة أمن الطاقة العالمي. تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية تشير إلى أن ما بين 18 إلى 20 مليون برميل نفط يومياً تعبر المضيق، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، خصوصاً من قطر. هذه الأرقام تعني أن أي تعطّل -جزئي- في حركة الملاحة سيترك أثراً فورياً على الأسواق. السيناريو الاقتصادي تشير تحليلات المختصين إلى عدد من السيناريوهات لتأثير إغلاق المضيق على الاقتصادات ففي حال الإغلاق الكامل أو شبه الكامل، تتوقع بيوت خبرة دولية أن تقفز أسعار النفط سريعاً إلى مستويات تتجاوز 120 دولاراً للبرميل، مع سيناريوهات أكثر تشدداً تضع السعر قرب 150 دولاراً إذا طال أمد الأزمة. الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة سينعكس بدوره على التضخم العالمي، الذي لم يتعافَ بالكامل من موجة ما بعد الجائحة والحرب الأوكرانية. اقتصادات كبرى مثل الولاياتالمتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ستواجه ضغوطاً تضخمية جديدة، مع ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع وسلاسل الإمداد. وتشير تحليلات مصرفية دولية إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل قد تقتطع ما بين 0.1 إلى 0.3 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد العالمي سنوياً. خسائر مباشرة من الناحية التجارية، يمر عبر المضيق ما يُقدّر بمئات المليارات من الدولارات سنوياً من صادرات الطاقة. توقف الإمدادات حتى لأسابيع قليلة قد يعني خسائر مباشرة لشركات الطاقة تتجاوز عشرات المليارات، فضلاً عن الخسائر غير المباشرة في أسواق الأسهم والشحن والتأمين. قطاع الشحن البحري سيشهد قفزات في تكاليف التأمين قد تتضاعف عدة مرات، فيما سترتفع أسعار النقل البحري بشكل فوري. كما أن شركات الطيران ستتأثر بارتفاع أسعار الوقود، ما يضغط على أرباحها ويعيد سيناريوهات تقليص الرحلات أو رفع أسعار التذاكر. البدائل الإستراتيجية رغم وجود خطوط أنابيب بديلة مثل خط شرق–غرب السعودي الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، وخطوط إماراتية تتجاوز المضيق، فإن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل لا تغطي كامل الصادرات التي تمر عبر هرمز. ما يعني أن الإغلاق الكامل سيخلق فجوة إمداد يصعب تعويضها سريعاً. وفي المقابل، تمتلك بعض الدول احتياطيات إستراتيجية من النفط يمكنها السحب منها لأسابيع أو أشهر، إلا أن هذه الحلول مؤقتة ولا تعوّض أثر اضطراب طويل الأمد. انعكاسات على الأسواق المالية الأسواق المالية ستكون أول المتفاعلين. فمن المرجح أن نشهد موجات بيع في أسواق الأسهم العالمية، مع توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والسندات الأمريكية. كما قد تتراجع عملات الأسواق الناشئة بشكل ملحوظ في ظل هروب رؤوس الأموال. أما في المنطقة، فقد تستفيد بعض اقتصادات الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، لكن ذلك سيبقى مشروطاً بقدرتها على استمرار التصدير عبر بدائل آمنة.