يتفق المعنيون بأمر التعليم على أن إصلاح التعليم يتحقق بتطوير المناهج الدراسية وتكثيف البرامج التدريبية المتنوعة للمعلمين وتحديث أساليب التدريس، وعلى الرغم من أهمية هذه العوامل في إصلاح التعليم إلا أنها كثيرًا ما تفقد نتائجها المرجوة حين تُنفذ في بيئة مدرسية تفتقر إلى تحويل التوجيهات إلى ممارسة والأنظمة إلى علم ومعرفة. فالمدرسة ليست مجرد فضاء لتطبيق خطة تشغيلية أو المناهج، بل هي منظومة إنسانية شديدة التعقيد يتشكل مناخها النفسي والتربوي والاجتماعي من خلال القائد المدرسي فهو من يصنع النمو والشعور بالأمان بوعي، ويحدد حدود العدل أو يخلق دائرة من السمية والتوتر المستمرين داخل المدرسة، وتشير الخبرة الميدانية إلى أن القائد قد يكون عامل بناء حقيقي تنعكس قيادته مباشرة على جودة التعليم وأداء ورضا الموظفين أو قد يكون سببًا خفيًا في هدم جهود عظيمة تُبذل داخل المدرسة من خلال سلوكياته المدمرة بأبعادها المختلفة. وتُظهر الممارسات الميدانية في المدارس أن المدارس رغم تطبيقها لمنهج موحد وعملها ضمن أنظمة متشابهة تتباين نتائجها السلوكية والتعليمية ومستوى الانضباط والانتماء لدى الطلبة بشكل واضح وجلي رغم توفر الإمكانات ذاتها، وهذا يؤكد أهمية القيادة في حسن استثمار الموارد المتوفرة، ففي بيئة يقودها قائد واعٍ منصف عادل في معاييره حاضر في الميدان ويشعر الموظفين بالتقدير ينعكس ذلك على استقرار الكادر التعليمي وتفعيل المنهج بصورة أكثر فاعلية، أما في بيئة تُدار بعقلية السيطرة وتتحرك بدافع حماية الصورة والمصلحة الشخصية والمتابعة الشكلية فإن المناهج تتحول إلى عبء والدورات التدريبية إلى إجراء شكلي، ويُختزل التعليم في تقارير لا تعكس الواقع ولا تمت له بأي صلة. ويمتد أثر القيادة المدرسية ليشمل التوجيه الطلابي الذي يمثل ركيزة مهمة في دعم الصحة النفسية والسلوكية داخل المدرسة ويتطلب نجاح هذا الدور تكاملًا بين عمل التوجيه الطلابي والقرار الإداري إلا أن التجارب تبين أن ضعف التنسيق بين القيادة المدرسية غير المؤهلة والتوجيه الطلابي يؤثر حتمًا على استمرارية وفعالية الجهود المبذولة. من هذا المنطلق يتضح أن إصلاح التعليم يبدأ من حسن اختيار القائد المدرسي المؤهل فالقائد التربوي لا يُختار لمجرد أن تخصصه وافر «فائض في سوق العمل» بل يحتاج إلى مزيج من الكفاءة المهنية والنضج الشخصي والصحة النفسية والقيم التربوية الراسخة ثم يجب تأهيله تأهيلًا حقيقيًا قبل منحه الصلاحيات ومحاسبته على أثره القيادي الفعلي في المناخ المدرسي لا على التقارير الشكلية لضمان استمرار جودة الإدارة وتحقيق أثرها الإيجابي على المعلمين والطلبة على حد سواء.