تجربة تناول الطعام خارج المنزل واحدة من أكثر الممارسات الاجتماعية رسوخاً في سنغافورة، ولا نقصد هنا الخروج إلى المطاعم كنوع من الترف أو التغيير، بل كنمط يومي مستقر تعتمد عليه الأسر في وجبتها الأساسية، حيث تجتمع العائلة يوميا في أحد المطاعم القريبة من المنزل كما لو كانت تجتمع حول مائدة بيتية. ترسخت هذه الممارسة مع انخراط الأمهات في سوق العمل وارتفاع متوسط ساعات الدوام في قطاعات متعددة، فكان التكيف ذكياً ومتبادلاً بين المجتمع وقطاع الأغذية، إذ انتشرت مطاعم الأحياء ومراكز الطعام الجماعي وقدّمت وجبات متكاملة بأسعار رمزية مدعومة أو تنافسية، مما جعل تناول الطعام خارج المنزل خياراً اقتصادياً عملياً. ونتج عن ذلك نمو لافت في اقتصاد المطاعم والمقاهي والخدمات الغذائية، كما لوحظ انعكاس هذه التجربة على رفاه الأسر، وتخفيف حقيقي للضغط الواقع على الأمهات العاملات، ومنحهن وقتاً أكبر للعناية بأنفسهن وصحتهن النفسية والوجود النوعي مع أطفالهن. هذه التجربة، برأيي، لا تصنف كاستثناء ثقافي بقدر ما هي استجابة واقعية لتحولات العمل وأنماط الحياة الحديثة، وهي تجربة تستحق أن تُناقش بجدية في مجتمعاتنا، بل البدء بتجريب تطبيقها بصورة تدريجية عبر الاعتماد شبه الكامل على تناول الطعام خارج المنزل. فمع ارتفاع نسب توظيف النساء ومشاركتهن الفعلية في الدخل الأسري، ترتب على المرأة عبء مزدوج غير معلن، فهي مطالبة بالإنتاج في سوق العمل من جهة، وبالوفاء الكامل لصورة تقليدية للمطبخ كمعيار للكفاءة والقبول الاجتماعي من جهة أخرى. تعود المرأة إلى منزلها مرهقة جسدياً ونفسياً، وبدلاً من أن يكون ما تبقى من يومها مساحة للراحة أو العناية بالصحة أو التواصل الهادئ مع أطفالها، نجدها تدخل في دورة جديدة من الإجهاد والقلق، وإن أُعفيت يوما من هذا الدور فإن شعوراً خفياً بالتقصير أو الامتنان المرهق لتفهم الرجل يرافقها، لأن المطبخ لا يزال هو مسؤوليتها الأولى مهما تغيّرت أدوارها الأخرى. من الزاوية الاقتصادية، تبدو الفكرة أكثر عقلانية مما نتصور. فالأسر تنفق سنوياً مبالغ كبيرة على مواد غذائية أساسية ترتفع أسعارها باستمرار، وتشير دراسات عالمية إلى أن ما بين 25 % و30 % من الغذاء المنزلي يُهدر أو يفسد قبل استهلاكه، وهو هدر صامت لا يُحسب عند التخطيط المالي للأسرة. في المقابل، يتيح الاعتماد على مطاعم الأحياء ونماذج الاشتراكات الشهرية تقليص هذا الفاقد، وتحويل الإنفاق من شراء مواد خام غير مضمونة الاستهلاك إلى وجبات جاهزة محسوبة الكلفة. كما أن هذه الفكرة تفتح مجالاً واسعاً لإنعاش قطاع المطاعم المحلية الصغيرة، وتشجيع نماذج اقتصادية ذكية تقوم على الاشتراكات العائلية والعروض الأسبوعية، ما يعزز المنافسة العادلة ويرفع جودة المنتجات ويحد من تضخم الأسعار. ثم تجارب عالمية أخرى تؤكد هذا المسار، ففي مدن كبرى مثل طوكيو وهونغ كونغ وباريس، يعتمد جزء كبير من السكان على وجبات خارجية يومية دون أن يعني ذلك تفكك الأسرة أو تراجع الروابط الاجتماعية، بل على العكس، إذ إن تقليل الأعباء المنزلية الثقيلة يسهم في تحسين جودة الوقت الأسري ويخفض مستويات التوتر داخل المنزل، وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية للأطفال واستقرار العلاقات الزوجية. لا يمكن- بالطبع- إنكار الرمزية العاطفية العميقة للطعام الذي تطهوه الأمهات بحب، لكن الواقع المتسارع الذي نعيشه يفرض مراجعة بعض المسلّمات دون شعور بالذنب. فالتنازل هنا ليس عن الدفء الأسري، بل عن الاستنزاف اليومي غير الضروري. بل إن مفهوم الندرة هنا قد يعمل لصالح الأسرة، إذ يتحول يوم الاجتماع العائلي في المنزل إلى حدث منتظر، وتصبح الوجبة التي تطهوها الأم في إجازتها أو في مناسبة خاصة مختلفة في معناها وقيمتها، حاضرة بكامل أفرادها، خالية من العجلة، ومشبعة بالحنين والامتنان. بهذا المعنى، فإن نقل جزء من المطبخ إلى الفضاء العام المنظم ليس تخلياً عن الأسرة، بل إعادة توزيع ذكية للجهد، واعتراف صريح بأن رفاه المرأة هو شرط أساسي لصحة الأسرة بأكملها.