رسّخ المنتدى السعودي للإعلام في دورته الخامسة مكانته بوصفه الحدث الأهم في أجندة إعلامنا الوطني، ليس فقط من حيث ضخامة الفعالية أو أعداد الحضور؛ بل من حيث العمق المهني، وتنوع القضايا، والأهم مواكبة التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام، إذ لم يعد مناسبة احتفالية عابرة، بل منصة فكرية ومهنية تعكس نُضج التجربة الإعلامية السعودية، وتطلّعها للعب دورها المؤثر إقليميًا ودوليًا. جاءت الدورة الخامسة امتدادًا لتراكم خبرة تنظيمية وفكرية واضحة، انعكست في بناء الأجندة، وجودة الجلسات، انتقاء المتحدثين، بما يتناسب مع تطلعات المرحلة، ومشاركة واسعة لقيادات إعلامية محلية ودولية، وصنّاع محتوى، وأكاديميين، وخبراء التقنية والذكاء الاصطناعي، ما أوجد مساحة حوار حقيقي وبنّاء بين أطراف المنظومة الاتصالية. كان تعدد الأنشطة وتنوع المسارات أحد أبرز ملامح نجاح الدورة الأخيرة، إذ لم تقتصر الفعاليات على جلسات رئيسية تقليدية، بل توزّعت بين جلسات حوارية متخصصة، وورش عمل تطبيقية، ولقاءات مفتوحة، ومعرض إعلامي مصاحب، ومعسكر تدريبي، عَكس اتساع مفهوم المنتدى بوصفه مساحة تفاعل وتجربة. لفت نظري الجلسات التي ناقشت تحولات الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي، وطُرحت أسئلة عملية حول دور الأدوات الذكية في التحرير والإنتاج، وحدود استخدامها، وأثرها على المصداقية وأخلاقيات المهنة، كما شهدت ورش عمل متخصصة، اكتظت بطلاب الإعلام والمهتمين، أيضاً جلسات اقتصاد الإعلام وصناعة المحتوى، التي ناقشت نماذج الأعمال الجديدة، واستدامة المؤسسات الإعلامية، وتحول الإعلام من كونه ناقلًا للخبر إلى صناعة متكاملة تقوم على الابتكار والاستثمار. ولم يغفل المنتدى عن الإعلام المحلي، حيث خُصصت جلسات للحديث عن المحتوى المحلي، وتعزيز حضوره العربي والعالمي. كما نوقشت تجارب التحول الإعلامي، وبروز جيل جديد من الإعلاميين وصنّاع المحتوى، القادرين على مخاطبة جمهور متنوع بلغة معاصرة وأدوات حديثة. أعجبت كثيراً بالمعرض المصاحب، الذي شكّل مساحة ملهمة لاستعراض تجارب المؤسسات الإعلامية، والتقنيات الجديدة في البث والإنتاج، منصات المحتوى الرقمي، ما أتاح الاطلاع على مستقبل الصناعة وتحدياتها. وجاءت الجائزة السعودية للإعلام بوصفها إحدى أهم العلامات الفارقة في المنتدى، وعنصرًا محوريًا في تعزيز ثقافة التقدير المهني، فالجائزة لم تكن مجرد تكريم رمزي، بل رسالة واضحة بأهمية الجودة، والاحتراف، والابتكار في العمل الإعلامي، وأسهمت الجائزة في إبراز النماذج المتميزة من الإعلاميين والمؤسسات، وتحفيز المنافسة الإيجابية، وربط النجاح الإعلامي بمعايير مهنية واضحة. كل هذه النجاحات تقود إلى سؤال استراتيجي: هل يكفي أن يبقى المنتدى حدثًا سنويًا؟ الواقع أن حجم التحديات الإعلامية، وتسارع التحولات التقنية، وتطوّر سلوك الجمهور، تفرض نموذجًا أكثر استدامة، فالإعلام لم يعد مجالًا يمكن تطويره عبر لقاءات موسمية، بل يحتاج إلى نشاطٍ مستمر، وبناء معرفي متجدد. ورغم إطلاق المنتدى مجموعة مبادرات وأنشطة على مدار العام، إلا أن تحويل المنتدى السعودي للإعلام إلى مؤسسة مستدامة تعمل طوال العام، يشكل ضرورة استراتيجية، حتماً سوف تسهم في استدامة المعرفة الإعلامية، وتواصل البرامج التدريبية المتخصصة، وإصدار تقارير ودراسات عن واقع الإعلام ومستقبله، وعقد لقاءات دورية متخصصة حسب القطاعات والمنصات، كما يمكن أن تعلب المؤسسة دور مركز تفكير إعلامي، يربط بين الإعلام وصنّاع القرار، والقطاع الخاص. لقد أثبتت الدورة الخامسة أن الأساس متين، وأن المنتدى تجاوز مرحلة التأسيس إلى مرحلة النضج، وما تحقق ليس نهاية المسار، بل بدايته الحقيقية، ومتى ما تحوّل المنتدى السعودي للإعلام إلى مؤسسة حية تعمل طوال العام، سوف يمسي أحد أهم روافع تطوير الإعلام السعودي والعربي، ومنصة دائمة لصناعة المستقبل.