قبل عدة أيام مضت كانت الذكرى الحادية عشرة لتولّي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – مقاليد الحكم، ولا يمكن التعامل مع هذه المناسبة بوصفها محطة زمنية عادية؛ بل باعتبارها لحظة سياسية تستحق التأمل والقراءة الهادئة لمسار قيادة أدارت الدولة في أكثر المراحل الإقليمية تعقيدًا، ونجحت في عبور التحديات دون أن تفقد توازنها أو بوصلتها. فالحديث عن الملك سلمان -حفظه الله ووفقه- ليس حديث عهدٍ وأنه بدأ عام تولّيه الحكم، بل عن تجربة دولة تراكَمت منذ فجر التأسيس، وتبلورت في شخصية قائدٍ تشكّل وعيه السياسي مبكرًا. قبل أن يُتوَّج ملكًا بسنوات طويلة، ومن مدرسة التأسيس إلى نضج الدولة قامت الدولة السعودية منذ نشأتها على مفهوم واضح: فالحكم مسؤولية تاريخ لا سلطة لحظة. ومن هذه المدرسة تخرّج الملك سلمان متأثرًا بإرث الملك المؤسس عبدالعزيز – طيب الله ثراه – وبنهج الملوك الذين تعاقبوا من بعده، حيث كانت الدولة تُدار بالعقل قبل القرار، وبالشرعية قبل النفوذ. وحين تولّى مقاليد الحكم، كان يحمل معه ذاكرة دولة كاملة، لا رؤية نظرية، ولا تصورات مجرّدة. تجربة الرياض وصناعة القائد تمثل سنوات إمارة الرياض إحدى أهم محطات تشكيل شخصية الملك سلمان السياسية. أكثر من خمسة عقود في الإدارة الميدانية، جعلته قريبًا من المجتمع، مدركًا لطبيعة التحولات الاقتصادية، ومتقنًا لفن إدارة المدن والدولة على حدّ سواء. ومن هنا لم يكن انتقاله إلى قيادة المملكة قفزة في المجهول، بل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة حكم متواصلة تقوم على المتابعة الدقيقة، والانضباط الإداري، والاهتمام بالإنسان بوصفه أساس التنمية. قائد مثقف ووعي إستراتيجي يتميّز الملك سلمان بخصوصية نادرة في المشهد السياسي العربي؛ فهو قائد يجمع بين المعرفة التاريخية، والوعي السياسي، والإدراك العميق لطبيعة المنطقة. متابع للتاريخ، مدرك لتقلبات الجغرافيا، ومؤمن بأن الدول لا تُدار بردّات الفعل، بل بقراءة بعيدة المدى. هذا الوعي انعكس على السياسة السعودية في عهده، التي اتسمت بالاتزان، والقدرة على الفصل بين الثابت والمتغيّر، وبين المصالح الآنية والمصالح الإستراتيجية. الحزم حين يتطلب الأمن والحكمة حين يتطلب الاستقرار جاء عهد الملك سلمان في مرحلة إقليمية غير مسبوقة من الاضطرابات. دول تتفكك، وصراعات تتشابك، وتدخلات إقليمية تهدد أمن المنطقة. في هذا المشهد، اتخذت المملكة موقفًا واضحًا: ألا وهو: حماية أمنها الوطني، وصون استقرارها، وعدم السماح بتهديد سيادتها أو العبث بمحيطها. فكان الحزم خيار دولة، لا اندفاع موقف، وكان القرار السياسي مبنيًا على مبدأ أن الأمن شرط التنمية، وأن الاستقرار هو أساس كل مشروع مستقبلي. الإنسان في قلب السياسة وبالرغم من تعقيد الملفات السياسية، بقي البعد الإنساني حاضرًا في نهج الملك سلمان، فالدولة في رؤيته لا تُقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية بل بقدرتها على رعاية مواطنيها، وحماية نسيجها الاجتماعي، وترسيخ مفهوم العدالة والاهتمام. وقد انعكس ذلك في حضوره الإنساني، واهتمامه بالمواطن، وحرصه الدائم على أن تبقى القيادة قريبة من الناس لا بعيدة عن همومهم. عهد التحول بإدارة الدولة لا بهدمها وفي هذا العهد، دخلت المملكة مرحلة التحول الكبرى، عبر رؤية وطنية شاملة، أعادت صياغة الاقتصاد، ووسّعت آفاق التنمية، ومكّنت الشباب، وفتحت المجال أمام مستقبل أكثر تنوعًا واستدامة، وكان جوهر هذا التحول أنه لم يكن قطيعة مع الماضي، بل تطويرًا له، وتجديدًا لأدواته، ضمن إطار يحفظ الهوية والثوابت. الخاتمة أحد عشر عامًا مضت والمملكة أكثر حضورًا في القرار الدولي، وأكثر ثقة في ذاتها، وأكثر وضوحًا في رؤيتها للمستقبل. حيثُ لم يكن عهد الملك سلمان عهد استعراض، بل عهد تأسيس هادئ لمرحلة طويلة الأمد. هو عهدٌ أعاد تعريف معنى القيادة: أن تكون قويًا دون صخب، وحازمًا دون قسوة، وحكيمًا دون تردد. نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وأن يمدّه بالصحة والعافية، وأن يبقيه سندًا لوطنه، وذخرًا لشعبه، وقائدًا لمسيرة تمضي بثبات نحو المستقبل.