لم تحقق كل العراضات السياسية والإعلامية التي قامت بها جماعة «حزب الله» على مدى الأسبوع الماضي، أي تغيير في مقاربة الرئيس اللبناني جوزاف عون تجاه ثوابت تمسك بها، وتتمثل في تنفيذ «حصرية السلاح» بيد المؤسسات الشرعية، وبسط سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبناني بقواها الذاتية، وتثبيت الاستقرار، مستندًا إلى دعم دولي وعربي غير محدود. تنطلق ثوابت من بُعدين أساسيين، أولهما تعهداته الدولية التي منحته ثقة غير مسبوقة من أصدقاء لبنان، وأعادت البلاد إلى الحضن العربي، مما يضع البلاد على سكة النهوض؛ أما البُعد الثاني، فيتمثل في إصراره على الحفاظ على الاستقرار، سواء في الداخل عبر تعزيز الوحدة الوطنية وتشكيل مناعة داخلية ضد أي توترات، إضافة إلى حماية الاستقرار في المنطقة الحدودية، وتجنب أي تصعيد إسرائيلي على ضوء التهديدات المتنامية بموجة جديدة من التصعيد. وازن عون بين ثوابته، وآلية تنفيذها، فكثف اتصالاته لتحقيق الأهداف تحت سقف عدم تعريض البلاد لأي اهتزاز أمني، ضمن آلية تواصل سياسي ودبلوماسي، داخلي وخارجي، وقد تعرض خلال تلك الفترة، لانتقادات داخلية، لكنه كان مصرًا على حماية الاستقرار. على المقلب الآخر ذهبت جماعة «حزب الله» إلى التصعيد، عبر حملة شعواء ضد رئيس الجمهورية. الواقع أن الحزب يهرب من أزماته باتجاه شن الحملات على الرئاسة، واختيار خصم جديد في الداخل، عله يرمم شعبيته التي تزعزعت إثر الحرب. بدت تغرد جماعة «حزب الله» وحيدة بلا حلفاء وبلا حاضنة اجتماعية، وهو ما ثبت في استقبالات عون في القصر الرئاسي اللبناني غداة تصعيد الحزب إعلاميًا. إذ زار رئيس مجلس النواب نبيه بري، الرئيس اللبناني، وقال إن العلاقة معه لطالما كانت ممتازة. علمًا بأن بري يُعد من أبرز حلفاء الحزب. أما الرد الثاني، فجاء في استقبال عون في اليوم نفسه، وفدًا من تجمع أبناء المنطقة الحدودية، وأبلغهم التزامه بتحقيق مطالبهم، وفي مقدمها إعادة السكان إلى قراهم، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب، ووقف الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة الأسرى، واستكمال انتشار الجيش اللبناني في سائر البلدات الحدودية لتحقيق الاستقرار وأمن المنطقة. في الواقع، سحب عون من يدي ميليشيا «حزب الله» ورقتين كانت تتوهم أنها تمتلكهما، ورقة الحليف الأبرز، وورقة السكان المدنيين. أطيح بأي ورقة تفكر الميليشيا في استثمارها لفرض شروطها على الدولة اللبنانية، مما يضعها في موقع العزلة ضمن بيئتها، بعدما باتت معزولة لدى البيئات الأخرى منذ قررت معاندة الإجماع اللبناني على تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة التي اختارت الحل الدبلوماسي سبيلًا لتحرير الأرض وتثبيت الاستقرار، وترميم علاقات الدولة مع العالم، ومواجهة التحديات والتحولات بالحوار وتعزيز العلاقات العربية والدولية؛ أما العزلة ضمن البيئة، هي النتيجة الحتمية التي تؤكدها جملة معطيات، أهمها مخالفة الجماعة لتوجهات حليفها الأبرز نبيه بري الذي يكرر موقفه الداعي لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية بالوحدة الوطنية»؛ فجماعة «حزب الله» وعلى عكس توجهات بري، اختارت مبدأ التصادم مع منطق الدولة، عبر مهاجمة الرئيس اللبناني. كما عبر انتقاد رئيس الحكومة نواف سلام؛ وعلى المقلب الشعبي يخالف الحزب توجهات اللبنانيين، وتحديدًا أبناء الجنوب منهم الذين أخرجتهم الحرب الأخيرة مع إسرائيل من منازلهم، وحولت ما يقارب ال100 ألف شخص إلى نازحين في العمق اللبناني. في مواجهة هذه التحولات، ما زالت جماعة «حزب الله» تتبنى مقاربة أسقطتها الحرب وتبيّن أنها لا تتخطى كونها أوهام قوة، لدى حديثها عن أن القدرات العسكرية هي الرادع لإسرائيل. وفي المقابل، تتبنى الرئاسة اللبنانية مقاربة أكثر واقعية وأكثر عقلانية، ترى أن السلاح لا يمكن أن يكون أداة ردع، في مواجهة تفوق عسكري وتقني إسرائيلي يحظى بدعم دولي لا محدود. لذلك، ترى الدولة اللبنانية أن الخيار الوحيد لتحقيق الردع، يتمثل في حشد القوة الدولية إلى جانب لبنان، عبر استثمار العلاقات والتفاوض الدبلوماسي، مما يثمر ضغوطًا على إسرائيل، خصوصًا الضغط الأمريكي القادر على إلزام إسرائيل بوقف الاعتداءات، بما يمكن لبنان من تحقيق مساعيه. ترفض جماعة «حزب الله» كل تلك الوقائع، ما يدفعها إلى العزلة السياسية والشعبية، وقد اختارت هذه العزلة، بإصرارها على عدم تسليم السلاح في شمال الليطاني، والانخراط في الرؤية الوطنية للدولة لتحقيق الأهداف وتجنب الحرب.