اكتمل عامٌ كامل منذ رحيلك. عام لم يمرّ كما تمرّ الأعوام، بل ترك أثره في داخلي ببطء، يومًا بعد يوم، حتى صار الغياب مألوفًا في شكله، ثقيلًا في حضوره. ظننت في البداية أن الوقت سيفعل ما يقال عنه، أن يخفف، أن يهوّن، لكنني تعلّمت مع الشهور أن بعض الفقد لا يخفّ، وإنما يستقر في القلب ويغيّر إيقاعه. بعد رحيلك، لم أفقد أمرًا واحدًا، فقدتك بكل ما فيك. فقدت صوتك الذي كنت أسمعه فأهدأ، حضورك الذي كان يملأ المكان دون أن يُطلب، ضحكتك التي كانت تخفف عني، ومواساتك التي كانت تصلني حتى في صمتي. تفاصيل كثيرة لم أكن أتصوّر يومًا أنها يمكن أن تختفي، اختفت دفعة واحدة، وتركتني أتعلم الحياة من جديد. ومع كل هذا الفقد، اكتشفت أن أعمق ما خسرته لم يكن واضحًا في البداية. كان شعورًا خفيًا كنت أعيشه وأنا معك دون أن أسمّيه. كنت أشعر بالأمان دون سبب، وأمضي مطمئنة لأن وجودك وحده كان يكفي. لم تكن تطمئنني بالكلام، ولا بالنصح، كنت تطمئنني لأنك موجود. وبعدك، غاب هذا الإحساس، وبقيت أبحث عنه في أي شيء... ولا أجده. صرت أعيش الأيام كاملة. أضحك أحيانًا، أعمل، أواصل، لكن في داخلي فراغ لا يمتلئ، وقلق لا أعرف له اسمًا. عندها فهمت أن الأب لا يُفقد مرة واحدة، وإنما نفقده كل يوم، في كل موقف نحتاج فيه أن نشعر أننا بخير... ولا نشعر. مع مرور هذا العام، تغيّر كل شيء من حولي، حتى الأشياء التي بقيت كما هي. صرت ألاحظ التفاصيل أكثر، وأشعر بها بعمق أكبر، وأحمل صمتًا لم يكن لي من قبل. ورغم ذلك، ما زلت أراك في أشياء كثيرة؛ في طريقة تفكيري، في ردود أعرفها، وفي طمأنينة تعود إليّ فجأة حين أضعف، كأن الغياب لم يمحُ الأثر، وإنما نقله إلى داخلي. هكذا تعلّمت أن الرحيل لا يعني الاختفاء. الجسد يبتعد، لكن ما تركه الإنسان يبقى. تبقى السيرة الطيبة حيّة في الدعاء، في الذكرى، وفي الأثر الذي لا يزول. فبعض الناس لا يغادرون تمامًا، يرحلون ويتركون قلوب من أحبّوهم ممتلئة بهم. الذكرى الأولى موجعة، لا لأنها تعيد الألم فقط، بل لأنها تؤكد أننا تعلمنا العيش ونحن ناقصون. ومع ذلك، هناك سكينة خفيّة تولد من هذا النقص، سكينة تقول إن الحب الذي كان حقيقيًا لا ينتهي بالغياب. في هذا العام، لم أتعافَ، لكنني صبرت. لم أنسَ، لكنني واصلت. وما زلت أؤمن أن الأرواح التي أحبّت بصدق تبقى قريبة، بطريقة لا نراها، لكن نشعر بها. عامٌ مرّ... وما زال الغياب كما هو. حضورٌ لا يُرى، وأثرٌ لا يزول، نتعلّم معه أن بعض الفقد لا يُشفى، بل يُعاش بالصبر، ويُحفظ بالدعاء. رحمك الله يا أبي، وغفر لك، وجعل مقامك في عليين.