قصتي تبدأ مع نفسي وقد بدأتُ أعاني مني، لكن الشك قد بدأ يساورني عن نهايتها، وقصتي محورها أنا، لكن القلق قد أخذ على عاتقه الإحاطة بي في كل لحظة أعيشها مع ذاتي، ليس لدي الوقت لأعاني من شخص آخر، فهمّي هو شغلي الشاغل، دوامةُ تأملاتي أنا عالق فيها، وبدأتُ أعرف معنى أن نكون غُرماء أرواحنا في منفى عنوانه النسيان، لكنّ حياتي ليست موتًا بطيئًا، فأنا بكامل عافيتي أو هكذا أتوهم، وقد أصبحتُ أكره النظرات العميقة لتلك العيون التي تصفني بالمرض والإنكار، أنظرُ إلى من حولي فأرى وجوهًا تتجمّل أحيانًا بالشفقة غير المبررة، وأسمعُ كلماتهم المبتورة وقد تساقطت منها راء الرجاء ودال الدعاء وحاء الحزن. أعرف أنهم يحبونني رغم أن من الحب ما قتل.. وأدركُ خوفهم المتصاعد، لكن حذرهم الرهيب قد حولني إلى سجين يرافقه السجانون جيئة وذهابًا.. كلهم حولي بينما أنا غارق في ملاحقة ظلي الموحش، لم أقترف ذنبًا غير تكرار بعض الجمل والسهو عن بعض الأسماء، وإضاعة بعض الأغراض عديمة القيمة، قد يكون لإرهاصات حياتنا ومشاغل يومنا اليد الطولى في ذلك، لكنني قدتُ سيارتي قبل بضعة أيام، فكانت الطامة الكبرى أن نسيت وجهتي وأنا في منتصف الطريق، لم أعرف وقتها إلى أين سأذهب ولماذا سأذهب.. وماذا سأفعل.. عدتُ أدراجي بنفس الطريق الذي سلكته حتى وصلت بيتي فتنفست الصعداء. واليوم كنت أتأمل المارّة من نافذتي وأنا أمسك بكأس فارغة تفحّصتها جيدًا، فلم أجد فيها أي أثر للماء أو القهوة أو غيرهما، لم أكن عطشانًا ولم أكن مرتويًا.. وأنا لا أحب القهوة ولا أتناول شيئًا في هذا الوقت المبكر.. أشعر أنني أحلم وبدأت أخشى حلم الغد وحلم اليوم الذي يليه.. أنا لا أسمع إلا أصداء أفكاري التي تنخرني، وزاد ذهولي عندما انزعجتُ من زقزقة ذلك العصفور المعلّق في فناء بيتي، صَمَتَ من حولي ثم أخبروني أنه جليسي ورفيقي المدلل منذ شهور طويلة. اقترب مني شقيقي الأصغر، وقد تبدّت على محياه ملامح العاطفة وعلامات التردد، ناولني دفترًا صغيرًا بشيء من الرهبةِ، كما لو كان يتوقع مني أن أمتنع عن قبوله. شقيقي: لا أعرف كيف أشرح لك غايتي، نحن جميعًا مُعرّضون للتعب والإرهاق وربما المرض، ليس ذلك عيبًا نخفيه أو نخجل من مواجهته، لاحظتُ في الآونة الأخيرة بعض التغيرات البسيطة في سلوكك، أتمنى أن تكون بسيطة وعابرة وتختفي مع الوقت، إنك تنسى بعض الأمور والأحداث التي تحصل معك، أنا لست طبيبًا، لكنني متأكد أن ذلك ليس خطيرًا؛ لذلك سأقترح عليك تسجيل جميع تفاصيل يومك تباعًا حتى تستذكر ما قد تنساه، سيكون الأمر سهلاً للغاية، وقد تعتاد عليه بعد بضعة أيام، تفضّل يا أخي. نظرت إلى الدفتر فحسبته شريطًا من أقراص الدواء التي ستخلخل جزءًا من وحدتي، أمسكتُ به فشعرت بسنين عمري تنزلق بين أصابعي كالرمل، سأقبلُ به وسأنسخ تفاصيل حياتي منذ هذه اللحظة بغثها وسمينها، ربما تكون هذه المحاولة الأخيرة لإخراجي من بئر صمتي الداخلي، أو طوق نجاتي من مصيبتي الكبيرة. قلبتُ صفحته الأولى فشعرتُ بحالة من الرضا عن نفسي، كتبتُ فيه عن محبة شقيقي المتجلّية بهذه الهدية، كتبتُ عن طعامي ونومي وزوّاري ولباسي، ومن يهاتفني وما أشاهده خلف زجاج نافذتي، كان كل شيء مدججًا بالساعات والدقائق، وفي نهاية يومي اصطحبت معي دفتري إلى سريري لمراجعة ما كتبته عدّة مرات، استسلمتُ للنوم بينما صديقي الورقيّ يوشوشني: يكفينا هذا اليوم.. تصبح على خير. في صبيحة اليوم التالي أحسستُ بيدٍ رقيقةٍ تلامس وجهي وتحثّني على النهوض، فتحتُ عينيّ بتثاقلٍ يزداد بسبب حُزم الشمس المندفعة إليهما من النافذة، ثم تلاشي معظم الضوء بحاجزٍ لطيفٍ هو وجه شقيقي الأصغر. شقيقي: صباح الخير.. هيا انهض أيها الكسول، الجميع بانتظارك لنتناول الفطور معًا.. لا تجعلنا نفقد روعة الخبز الساخن، ستكون مذنبًا إن تسببت بذلك.. ابتسمتُ له وأنا أضربه بيدي على كتفه، التفتُّ حولي ثم سألت شقيقي: ماذا يفعل هذا الدفتر هنا؟ من وضعه هنا؟ هل هو لك؟!.