إن كان لطهران نجاحٌ يذكر في سياستها الخارجية فهو قدرتها على تغليف أدواتها الدبلوماسية بغلاف طائفي ، واللعب على أوتار المذهب واحتكار مرجعيته ، وهي مرجعية ثورية سياسية ، وقد استطاعت أن تنجح في حمل مذهبها السياسي لمنطقة الداء السياسي - المنطقة العربية - وهذا أمر خطير ولكنه عملي ، فالشعوب العربية لاترى في عقيدتها إلا الملمح السياسي ، نفاقها سياسي ومطالبها سياسية وانتماءاتها سياسية ، فالمذهب لا يكون مذهب الفئة الناجية إلا بعناوين سياسية ، وكذلك أي انتماء اجتماعي آخر سواء أكان قبليا أم مناطقيا ، تحدد السياسية أهميته إما بالاقتراب من السلطة، أو بالخروج عن شرعية السلطة ، فالدين في هذه المنطقة سياسي يحمل شعارات طائفية ومذهبية ، وهنا تكمن خطورة الدين السياسي في المنطقة ، وعمليته الناجحة في يد صانع السياسة في طهران . صانع القرار السياسي في منطقة الخليج شديد الحساسية في التعامل مع معضلة الدين والسياسة ، أو بمعنى أكثر وضوحا بين المذهب والسياسة ، وخاصة في التعامل مع التدخلات الايرانية في حدود سيادته ، فكيف يصنع قرارا وطنيا تجاه تلك التدخلات بدون أن يمس الوحدة الوطنية بشيء من الانشقاق ، وكيف يولد قرار الوطن من رحم بيئة اجتماعية جاهزة لتصنيف كل قرار وطني وفقا لانتماءاتها السياسية التي ثبت أنها لم تكن وطنية بالكامل ، وهذه أحداث البحرين خير دليل على ذلك ، وكذلك قضية الجواسيس في الكويت ؛ حيث أصبح لهذين الحدثين قراءتان مختلفتان ، قراءة أصابت الحق ولكن لغتها مفرطة في حساسيتها ، وقراءة طائفية استعارت فهمها من المرجعية في طهران ، وبين الحساسية المفرطة، والولاء لمرجعية ولاية الفقية مدت طهران جسورها التوسعية في المنطقة ، وهل وصلت أو مازالت تحاول الوصول؟ هذا أمر لا ينفي وجود جسورها المشيدة بخبرات فارسية - خليجية معتقة في المنطقة. ما يعيق العمل الخليجي الموحد اليوم تجاه سياسية طهران هو حساسيتها المفرطة من التعامل مع البعد الطائفي في سياسية الدولة الصفوية ، فبسبب هذا الاحساس الذي يراعي اعتبارات غيرها أكثر منها صبرت على نفاق بعض العرب لدولة إيران على حسابها ، فهذه الدول أي الخليجية لم تتعامل على امتداد تاريخها السياسي مع محيطها العربي وفق المصالح الخاصة ، بل أعطت البعد القومي والقيم العربية أولوية قصوى تخسر بسببها، وتكسب أيضا بسببها ، وهذا ما جعل بعض الدول العربية تتنصل من الالتزامات مع دول الخليج بدون أن تخسر المصالح بدول الخليج ، وتبرم الولاياتالمتحدة اتفاقياتها مع طهران على حساب مصالح أهل الخليج وبدون أن تتضرر مصالحها هي بشيء ، إن المصالح يجب أن لا تعطى إلا مقابل مصالح ، وحساسية الشعور الوطني ، يجب أن لا تنزع سلامة الوطن لصالح حسابات المرجعيات الدينية ، وإن استمرت الحال بدول الخليج كذلك تحقق لسياسية الجسور الطائفية مرادها ، وأصبح الوطن العربي من المحيط إلى المحيط لا يصل للخليج ، وتذكر العرب حينها أن لهم مصالح كانت هناك حققها لهم أشقاء كانوا أيضا هناك ، فهل يتذكر أهل الخليج قبل أن يتذكرهم العرب؟ هذا أمر بيد أهل الخليج اليوم لأن عندهم المصالح ومنهم المصالح ، وهي وحدها التي يجب أن تذكر وتذكر وتذكر .. ونتمنى أن لا ينسى بعض العرب لغتنا هذه ، ويراهن على مرجعيات الشمس والنار..