شهد الاقتصاد في المملكة العربية السعودية تحولا نوعيا متسارعا، مدفوعا برؤية السعودية 2030 التي أعادت صياغة مسارات التنمية على أسس أكثر تنوعا واستدامة. فقد نجحت المملكة في ترسيخ نموذج اقتصادي مرن، قادر على التكيّف مع المتغيرات العالمية وامتصاص الصدمات، مستندا إلى إصلاحات هيكلية شاملة عززت كفاءة الإنفاق، ونمت الإيرادات غير النفطية، ورفعت من تنافسية بيئة الأعمال. ومع تسارع نمو الأنشطة غير النفطية، اتسع إسهام القطاع الخاص ليصبح شريكا رئيسا في قيادة النمو، بالتوازي مع دور فاعل لصندوق الاستثمارات العامة في إطلاق المشاريع الكبرى واستقطاب الاستثمارات النوعية. كما أسهمت السياسات الاقتصادية المتوازنة في تحقيق معدلات نمو تفوّقت على التوقعات، وانعكست إيجابا على سوق العمل وجودة الحياة. ويعكس هذا التقدم المتسارع نجاح الرؤية في بناء اقتصاد مزدهر ومستدام، يواكب الطموحات الوطنية ويعزز مكانة المملكة كمركز اقتصادي عالمي. وفي هذا الشأن، اعتمدت رؤية السعودية 2030 مبدأ الشفافية كركيزة أساسية، بما يضمن تحقيق مستويات عالية من الحوكمة، تعزز من المساءلة وتدعم المتابعة المستمرة لمؤشرات الأداء. ويشمل ذلك تحديد مستهدفات واضحة على المدى "القصير والمتوسط والبعيد"، بما يتيح التقدم المنهجي نحو الأهداف المستقبلية، مع القدرة على تقييم الأداء بشكل دوري وتصحيح المسار عند الحاجة، إضافة إلى رصد الفجوات وتحليلها، سواء فيما يتعلق "بجودة حياة المواطن، أو بيئة الأعمال، أو جذب الاستثمارات"، بما يسهم في تحقيق أثر مستدام ضمن إطار مؤسسي متكامل. ويتم قياس تنفيذ الرؤية من خلال متابعة أداء برامج تحقيق الرؤية والاستراتيجيات الوطنية، عبر منظومة مؤشرات دقيقة توضح خط الأساس والقيم الفعلية والمستهدفات المرحلية والنهائية، إلى جانب مراقبة تقدم المبادرات بمرونة تسمح بإجراء التعديلات اللازمة لتعزيز كفاءة التنفيذ. وقد أسهم هذا النهج في الحد من تأثير التحديات الناشئة على مسيرة التنمية، حيث أتاح القدرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة، وإعادة تقييم الأولويات عند الحاجة، مع تعزيز كفاءة الإنفاق بما يتماشى مع الأولويات الوطنية، خصوصا تلك المرتبطة بشكل مباشر بتمكين المواطن وتحسين جودة حياته. وخلال العقد الماضي، شهدت المملكة تحولا اقتصاديا شاملا أعاد تشكيل بنيتها الاقتصادية، عبر تنفيذ إصلاحات استهدفت تنويع مصادر الدخل وتحقيق نمو مستدام، الأمر الذي مكّن الاقتصاد من تعزيز قدرته على مواجهة التقلبات وتقليل أثر الدورات الاقتصادية، كما أسهمت هذه الإصلاحات في رفع كفاءة إدارة المالية العامة، من خلال تنمية الإيرادات غير النفطية، وتحسين أداء الأجهزة الحكومية، وتوسيع مصادر التمويل، بما يدعم استمرارية الإنفاق التنموي وتطوير القطاعات المختلفة. وفي هذا السياق، برز دور القطاع الخاص شريكا رئيسا في دفع عجلة النمو، مستفيدا من التوسع في الأنشطة غير النفطية، والاستثمارات الموجهة نحو القطاعات الواعدة التي تسهم في تمكين المواطن ورفع جودة حياته. جاء ذلك مدعوما بتفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة، الذي قاد تطوير مشاريع استراتيجية كبرى في مختلف المناطق والقطاعات، وأسهم في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. وعلى مدى السنوات منذ 2016، تعززت متانة الاقتصاد السعودي بفضل سياسات مرنة ومتوازنة، حافظت على الاستقرار الاجتماعي ودعمت النمو الاقتصادي المستدام، حيث تجاوزت معدلات النمو التوقعات المرسومة لعام 2025، مدفوعة بالأداء القوي للأنشطة غير النفطية التي أصبحت تمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، وأسهمت في خلق فرص وظيفية جديدة، إلى جانب ارتفاع إسهام القطاع الخاص، وانخفاض معدل البطالة بين السعوديين إلى مستويات تاريخية منخفضة. كما أكدت المؤسسات الدولية والجهات الائتمانية العالمية على قوة الاقتصاد السعودي، مشيرة إلى التطور الكبير في متانة المركز المالي للمملكة، وقدرتها على مواجهة التحديات ومواكبة التغيرات العالمية، نتيجة للإصلاحات المستمرة التي جعلت منها نموذجا رائدا في التنوع الاقتصادي. ويعد الناتج المحلي الإجمالي أحد المؤشرات الرئيسة ضمن مستهدفات الرؤية، حيث سجلت المملكة المرتبة 19 عالميا في عام 2016، مع هدف الوصول إلى 6,500 مليار ريال بحلول عام 2030، وقد تجاوز المؤشر مستهدفاته المرحلية. وخلال السنوات الماضية، حقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموا متواصلا، حيث بلغ معدل النمو في عام 2025 نحو 4.5 %، مدفوعا بالزخم القوي للأنشطة غير النفطية التي شكلت 55 % من الاقتصاد، في حين سجلت الأنشطة النفطية نموا بنسبة 5.7 %، رغم تراجع وزنها النسبي في دعم النمو. وتشير التقديرات الدولية إلى نمو يتراوح بين 3.1 % و4.3 % في عام 2026، مقارنة بتقديرات محلية أكثر تفاؤلا تبلغ 5.6 %. كما يعكس نمو إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي نجاح السياسات والإصلاحات التي تبنتها الرؤية لتحسين بيئة الأعمال، وتطوير البنية التحتية، وإطلاق المبادرات الداعمة لتمكين القطاع الخاص من أداء دوره المحوري في الاقتصاد. وشملت هذه الجهود مبادرات صندوق الاستثمارات العامة، وبرامج تنمية المحتوى المحلي، إضافة إلى برنامج جذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، إلى جانب دعم ريادة الأعمال وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مما أوجد فرصا استثمارية متنوعة في عدة قطاعات. كما أسهم التوسّع في القطاع السياحي واستضافة الفعاليات العالمية، إلى جانب التحوّل الرقمي، في خلق فرص جديدة لرواد الأعمال، خصوصا في مجالات الاقتصاد الرقمي والتقنية المالية والخدمات. ومن المتوقع أن يتعزز إسهام القطاع الخاص بشكل أكبر خلال المرحلة الثالثة من الرؤية، بعد استكمال بناء الأسس التمكينية خلال السنوات الماضية، واستمرار الإنفاق الحكومي على القطاعات غير النفطية، وتفعيل الاستراتيجيات الوطنية، وتسارع تنفيذ المشاريع الكبرى، بما يوفر بيئة جاذبة ومحفزة للنمو والاستثمار.