في مساء ثقافي ربيعي مبلل بنسائم البحر، نُظمت أمسية حملت عنوان «تأثير الإعلام على الأدب والاتصال الثقافي»، وحلّ الدكتور علي محمد الحازمي، رئيس نادي الصحافة الرقمية متحدثاً، وسط حضور ضم نخبة من الإعلاميين والصحفيين والمثقفين لمناقشة التحولات الكبرى التي عصفت بعلاقة الأدب بالإعلام، من زمن المطبعة إلى زمن المنصة. افتتح الحازمي محاور الأمسية الأربعة بمزج لافت بين التأصيل التاريخي والاشتباك المباشر مع قضايا الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، ليخرج النقاش إلى مساحة الفعل والتوصيات العملية لحماية المعنى في زمن السرعة. في المحور الأول الذي ناقش المحاضر الرحلة من المطبعة إلى المنصة، مؤكداً على أن الصحافة الورقية كانت الحاضنة الرسمية والمصفاة الأولى التي يمر عبرها النص الأدبي ليكتسب شرعيته. وذكر أن الصحف التقليدية المعروفة، كانت تشكل بوابة لا يعبرها إلا نص يملك مقومات البقاء، كان المحرر الثقافي حارساً للذائقة وما زال حريصاً على جودة المحتوى، يقرر ما يُنشر وما يُؤجل من أجل الجودة، وأضاف الحازمي أننا خسرنا احتكار النخبة للمنبر، وهذا مكسب وخسارة معاً، مكسب لأننا كسرنا المركزية، وخسارة لأن غياب البوابة أسقط معيار الجودة. وتابع الحازمي موضحاً أن عمق التأثير لا يقاس بالانتشار بل بالأثر الوجداني، فالإعلام المرئي في الثمانينات صنع ذاكرة جيل، لأن المسلسل المأخوذ عن رواية كان يُشاهد من الأسرة كاملة في توقيت واحد، فيُخلق نقاش جمعي يرسّخ النص، أما الإعلام الرقمي اليوم فانتشاره أوسع، لكنه فردي ومشتت، ويصنع لحظة ترند سريعة الذوبان. وفي المحور الثاني الذي تناول ثنائية التمكين، قال الحازمي: إن دور النشر أعطت فرصة لمواهب كانت ستموت على أبواب دور النشر، وهذا تمكين حقيقي، غير أن المشكلة أن الخوارزمية تكافئ التكرار والسهولة، لا العمق، والفرق بين الأدب الحقيقي والترند الأدبي أن الأول يطرح أسئلة تؤلمك، والثاني يعطيك جملاً جاهزة لترضيك. ويرى الحازمي أن النقد الأكاديمي انكمش ولم يمت، صار محصوراً في قاعات الجامعات بينما النقد الجماهيري يتصدر المنصات. والخطر أن يتحول المؤثر إلى ناقد لمجرد أنه يملك متابعين. وأكد الحازمي أن الخوارزميات هي الرقيب الجديد وبامتياز، فالرقيب القديم يمنع، أما الخوارزمية فتُخفي مليون نص ينشر يومياً، وما يظهر لك تحدده معادلة لا تعرف الجمال ولا تعرف الألم، واستند إلى أبحاثه في الأمن السيبراني السلوكي ليحذر من خطر الاستنساخ الأسلوبي. وقد خرجت الأمسية بعدة مخرجات لافتة أولها نجاحها في نقل النقاش الجماعي المثري من على الورق، إلى تشخيص مرض المنصات واقتراح علاج، وطرح المحاضر لمفهوم البوابة الخوارزمية الذكية والاستنساخ الأسلوبي يفتح باباً لبحث تشريعي وأخلاقي لحماية الملكية الأدبية. ورابعها أن التوصية الأهم كانت بعدم معاداة الخوارزميات، بل فهمها وتطويعها.