عادة ما تعرف قيادة الذكاء الاصطناعي بالتقدم في النماذج أو البنية التحتية أو الأطر التنظيمية. لكن نتائج تقرير شركة (إي واي) العالمي للموقف العاطفي من الذكاء الاصطناعي يكشف بعدا أدق وأكثر تأثيرا. فربما لا تعود الريادة لمن يطور التقنية أولا، لكن لمن يستخدمها بطريقة مختلفة. وبهذا تقود المملكة العالم في هذا المعيار بصمت. يضع التقرير المملكة ضمن ما يعرف بالأسواق الرائدة، حيث لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الانتشار الواسع، بل يدخل في تفاصيل الحياة اليومية. فالغالبية تستخدمه، حيث بدأت نسبة معتبرة تسمح له بالتصرف نيابة عنها في جوانب العمل المختلفة إداريا وماليا. ما يميز حالة المملكة ليس الحماس النظري للتقنية، بل الاستعداد المتزايد لتفويض القرار إليها. يركز التقرير جوهريا على التحول من المساعدة إلى الاستقلالية. فعلى مستوى الخطاب، يعبر كثيرون عن قلقهم تجاه الذكاء الاصطناعي، مشيرين إلى مخاوف أمنية. رغم ذلك فهم يواصلون دمج الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية، ويوسعون استخدامه تدريجيا نحو نظام يتخذ القرار لا المشورة فقط. ومقارنة بغيرها، تتقدم المملكة على الولاياتالمتحدة وبريطانيا كثيرا. حيث لا ينتظر المستخدم اكتمال الثقة أو نضوج التنظيم، إنما يبني ثقته بالاستخدام. يصف التقرير القيادة ليس باعتبارها قدرة تقنية إنما قدرة المجتمع لتقبل أنماط جديدة من اتخاذ القرار. هكذا تكون القيادة نابعة من تقبل المجتمع لتبني التقنية عاملا محركا يصعب اصطناعه، وهو ما يمثل بعدا مهما في قابلية تبني التقنية. لكن مع وجود المملكة في موقع القيادة من زاوية قابلية التبني نجد أنفسنا أمام توتر بنيوي مهم. فمع وجود الثقة، يذكر التقرير أن المواكبة تحتاج إلى تطوير القدرات. حتى في الأسواق الرائدة، لا تزال المخاوف من حماية البيانات وأمن الأنظمة وتراجع الإشراف البشري حاضرة بقوة. لكن في حالة الدول التي تقود التبني، لا نجد أن هذه المخاوف عائقا، بل تترجم إلى توقعات تؤدي إلى ضوابط أوضح، ومساءلة أقوى. التباين بين القابلية والجاهزية يشكل تحديا للسياسة العامة. فلم تعد المخاطر في رفض المجتمع للتقنية في حالة المملكة ومن في حكمها، إنما في وصولها قبل جاهزيتها أو جاهزية مؤسساتها. هكذا تصبح المسألة فجوة بين الأفراد وقدرة المؤسسات على اللحاق بالتوقعات، مما يمثل فجوة مؤسسية لا تقنية. هنا نصبح أمام ميزة نسبية لها تبعات. تتمثل التبعات في رفع الجاهزية لتطلعات مجتمع طامح بصنع أدوات وأنظمة تدعم القرار الذي تتخذه. إذا أحكم هذا التحول، سنجد أنفسنا أمام نموذج جديد للحوكمة الرقمية، حيث يتطور التبني والجاهزية معا. في عصر الذكاء الاصطناعي اليوم، ربما علينا أن نلتفت إلى زاوية مهمة نغفل عنها عادة. ليست القيادة بمن يبدأ أولا، بل بمن يتعلم أسرع. وعلى هذا المسار، يبدو أن المملكة لديها ما تحتاج لتصبح في المقدمة في التبني والجاهزية ولاحقا في صناعة التقنية ذاتها.