تقول نظرية «الاستخدامات والإشباعات» إن الأفراد يلجأون إلى وسائل الإعلام لإشباع مجموعة من الحاجات النفسية والاجتماعية، وقد صنّف الباحث البريطاني دينيس ماكويل دوافع استخدام الجمهور لوسائل الإعلام إلى أربع فئات رئيسة على النحو التالي. أولاً، «الحاجة إلى المعلومات»: وتعد من أهم دوافع استخدام وسائل الإعلام، فالأفراد يعتمدون على وسائل الإعلام للحصول على الأخبار والمعلومات والتفسيرات التي تساعدهم على فهم العالم المحيط بهم. وسابقاً، في عصر الإعلام التقليدي، كانت الصحف والإذاعة والتلفزيون تؤدي هذا الدور بصورة أساسية، فالقارئ يقرأ الصحيفة لمعرفة الأخبار السياسية والاقتصادية، والمستمع يتابع نشرات الأخبار في الإذاعة، والمشاهد يعتمد على التلفزيون لمعرفة ما يحدث في بلده وحول العالم، أما في البيئة الرقمية الحالية، فقد اتسعت مصادر المعلومات بشكل ملحوظ، فالمستخدم اليوم يحصل على الأخبار عبر المواقع الإخبارية، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، وتطبيقات الهواتف الذكية، كما أصبح الوصول إلى المعلومات أسرع وأكثر تنوعاً، إذ يمكن للمستخدم متابعة الأحداث لحظة وقوعها، والانتقال بين مصادر متعددة للمقارنة والتحقق. ثانياً، «الحاجة إلى الترفيه»: وهي تمثل دافعاً مهماً لاستخدام وسائل الإعلام، فالشخص يلجأ إلى الإعلام أحياناً للهروب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية أو للحصول على المتعة والتسلية، وفي الإعلام التقليدي، كان هذا الدور واضحاً في البرامج الترفيهية والمسلسلات والأفلام والأغاني والبرامج الرياضية، فمشاهدة مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو متابعة مباراة كرة قدم كانت وسائل شائعة لتحقيق التسلية والاسترخاء، أما في البيئة الرقمية الآن، فقد تضاعفت إمكانات الترفيه بشكل كبير جداً، إذ توفر المنصات الرقمية مثل خدمات البث ومواقع الفيديو والألعاب الإلكترونية محتوى ترفيهياً هائلاً يمكن الوصول إليه في أي وقت، كما أصبح المستخدم قادراً على اختيار المحتوى الذي يناسب اهتماماته الشخصية بدقة أكبر. ثالثاً، «الحاجة إلى التواصل الاجتماعي»: وهي تشير إلى استخدام وسائل الإعلام بوصفها وسيلة للارتباط بالآخرين والشعور بالانتماء إلى المجتمع. وفي الإعلام التقليدي، كان هذا الدافع يظهر في متابعة البرامج الجماهيرية أو الأحداث الكبرى التي يتابعها الناس معاً، مثل المباريات الرياضية أو البرامج الحوارية. كما كانت وسائل الإعلام توفر موضوعات مشتركة للنقاش بين الأفراد في حياتهم اليومية. أما في العصر الرقمي، فقد أصبح هذا الدافع أكثر وضوحاً وتأثيراً، فشبكات التواصل الاجتماعي تتيح للمستخدمين التفاعل المباشر مع الآخرين، ومشاركة الآراء والتعليقات والصور والفيديوهات، وبذلك لم تعد وسائل الإعلام مجرد وسيلة لنقل المحتوى، بل أصبحت فضاءً للتفاعل الاجتماعي وبناء العلاقات. رابعاً، «الحاجة إلى تأكيد الهوية الشخصية»: وهي تتعلق برغبة الأفراد في استخدام وسائل الإعلام لفهم أنفسهم وتعزيز قيمهم ومعتقداتهم، فالمحتوى الإعلامي قد يوفر نماذجاً وسلوكيات وأفكاراً تساعد الفرد على تشكيل صورته عن ذاته وعن موقعه في المجتمع. وفي الإعلام التقليدي، كان هذا الدور يظهر في متابعة شخصيات إعلامية أو برامج تعكس قيماً ثقافية واجتماعية معينة، مما يساعد الجمهور على تأكيد انتماءاته الثقافية أو الفكرية. أما في البيئة الرقمية، فقد أصبحت عملية بناء الهوية أكثر تعقيداً. فالمستخدم لا يكتفي باستهلاك المحتوى، بل يشارك أيضاً في إنتاجه من خلال نشر الآراء والصور والتجارب الشخصية. وبذلك تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء يعرض فيه الأفراد معلوماتهم الشخصية ويعيدون تشكيلها من خلال التفاعل مع الآخرين. يتضح من ذلك أن دوافع استخدام وسائل الإعلام التي حددتها نظرية الاستخدامات والإشباعات ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها اتخذت أشكالاً جديدة في البيئة الرقمية. فالحاجات الأساسية لم تتغير، إلا أن الوسائط الرقمية وفرت طرقاً أكثر تنوعاً وسرعة لإشباع هذه الحاجات.