في المراحل الأولى من بحوث الإعلام والاتصال، كان الاهتمام منصباً في الأساس على سؤال التأثير. فقد سعى الباحثون إلى معرفة كيف تؤثر وسائل الإعلام في الجمهور، وهل يملك الإعلام قدرة قوية على تشكيل الأفكار والاتجاهات والسلوك. غير أن هذا المنظور بدأ يتغير تدريجياً منذ ستينيات القرن العشرين، عندما ظهر اتجاه بحثي مختلف طرح سؤالاً مغايراً تماماً، وهو: ماذا يريد الجمهور من وسائل الإعلام؟ ومن هنا تبلورت نظرية مهمة في الدراسات الإعلامية تسمى نظرية «الاستخدامات والإشباعات». يعود أصل هذه النظرية إلى الدراسات التي قامت بها الباحثة الأمريكية من أصل نمساوي هيرتا هيرزوغ على مجموعة من المستمعات لبرامج المسلسلات الإذاعية اليومية في الولاياتالمتحدة، لاستكشاف لماذا تستمع النساء إلى هذه البرامج؟ وما الذي يحصلن عليه منها؟ نشرت هيرزوغ أبحاثها الشهيرة عن مستمعات الراديو في أوائل الاربعينيات من القرن العشرين. وتوصلت إلى أن المستمعات يبحثن من خلال هذه البرامج عن عدة إشباعات، مثل: التسلية، والهروب من مشكلات الحياة اليومية، والحصول على نماذج أو نصائح تتعلق بالحياة الاجتماعية. تطورت النظرية لاحقاً على يد الباحث الأمريكي إليهو كاتز وعدد من زملائه الذين ركزوا على فكرة أن الجمهور فاعل ونشط في علاقته بوسائل الإعلام، وأن الأفراد يختارون الوسيلة والمضمون الإعلامي الذي يلبي حاجاتهم النفسية والاجتماعية. وعبروا عن ذلك بالقول: لا تسأل ماذا يريد الإعلام من الناس، اسأل ماذا يريد الناس من الإعلام؟ فيما بعد، قام الباحث البريطاني دينيس ماكويل بصياغة تصنيف عام للحاجات أو الدوافع التي تدفع الأفراد إلى استخدام وسائل الإعلام، من بينها: الحاجة إلى الحصول على المعلومات والمعرفة، والحاجة إلى تعزيز الهوية الشخصية، والحاجة إلى التفاعل والعلاقات الاجتماعية، والحاجة إلى الترفيه والهروب من ضغوط الحياة اليومية. وحالياً، مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، شهدت نظرية الاستخدامات والإشباعات تحولاً ملحوظاً في طريقة فهم علاقة الجمهور بوسائل الإعلام. ففي البيئة الرقمية، لم يعد الجمهور مجرد مستخدم يختار بين وسائل إعلام جاهزة، بل أصبح أيضاً منتجاً للمحتوى ومشاركاً في تداوله. ولهذا توسع نطاق الإشباعات التي يسعى الأفراد إلى تحقيقها من استخدام الوسائط الرقمية، فلم تعد تقتصر على الحصول على المعلومات أو الترفيه، بل شملت أيضاً: التعبير عن الذات، وبناء الهوية الرقمية، والمشاركة في النقاشات العامة، وتكوين الشبكات الاجتماعية عبر المنصات المختلفة. كما أتاحت التقنيات الرقمية للجمهور قدراً أكبر من التحكم في اختيار المحتوى وتوقيته وطريقة استهلاكه، وهو ما جعل نظرية الاستخدامات والإشباعات أكثر ملاءمة لفهم سلوك المستخدمين في بيئة الإعلام التفاعلي المعاصر. وبالرغم من ذلك، رأى بعض الباحثين أن نظرية الاستخدامات والإشباعات محدودة الفائدة لأنها تركز فقط على الاستجابات الفردية للجمهور، أي على دوافع الأفراد في استخدام وسائل الإعلام، دون النظر إلى التأثير الفعلي لذلك الاستخدام. كما أشاروا إلى أن اعتماد النظرية على تقارير الأفراد عن دوافعهم قد يكون غير دقيق دائماً، لأن الناس لا يستطيعون أحياناً تفسير سلوكهم الإعلامي بدقة. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، استمرت نظرية الاستخدامات والإشباعات في التطور ووجدت أهمية جديدة في العصر الرقمي. فمع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح الجمهور أكثر قدرة على اختيار المحتوى والمشاركة في إنتاجه وتداوله، وهو ما يتوافق مع الفكرة الأساسية في النظرية التي ترى أن الجمهور فاعل ونشط في استخدام وسائل الإعلام. لذلك اتجهت الدراسات الحديثة إلى توسيع مفهوم الاستخدامات والإشباعات ليشمل الدوافع والحاجات الجديدة التي أفرزتها البيئة الرقمية.