"إذا شبع المرء لم يجد للخبز طعمًا" أو قريبا من هذا المعنى، وعليه فلم تعد المشكلة في الخبز، كما أنها ليست في الجوع، بل هي في المسافة بينهما، تلك المسافة التي تمنح الأشياء قيمتها، وتمنح الإنسان قدرته على التذوق، فحين يمتلئ المرء بما يكفي، تتغير علاقته بما كان يطلبه بشغف، ويبهت بريق ما كان يراه ضرورة، فشعور الإنسان نحوه تبدّل، وتحوّل من حاجة إلى عادة، ومن رغبة إلى فائض. الإنسان كائن يتشكل إدراكه عبر النقص بقدر ما يتشكل عبر الامتلاء، فالحاجة تُنتج المعنى، والافتقاد يرفع القيمة، والانتظار ينسج علاقة عميقة بين المرء وما يطلبه. لكن حين تتحقق الوفرة دون وعي، يتحول الامتلاء إلى حالة من البلادة الشعورية، فتتساوى الأشياء في الذهن، وتفقد تدرّجها، ويغيب الفرق بين ما كان نادرًا وما أصبح متاحًا، وهنا يفقد الامتلاك معناه ويصبح من قبيل مساواة الوجود والعدم. هذه الظاهرة لا تتعلق بالماديات وحدها، بل تمتد إلى العلاقات، والنجاحات، وحتى المشاعر. فالعاطفة التي تتكرر دون تجدد، تتحول إلى رتابة، والإنجاز الذي لا يُصاحبه إدراك، يصبح رقمًا عابرًا، والكلمة التي تُقال بكثرة تفقد أثرها. التكرار حين يخلو من الوعي يستهلك التجربة ولا يعمّقها، فيصبح الإنسان محاطًا بما كان يتمناه، دون أن يشعر به كما كان يشعر به في بداياته. هنا مفارقة تتشكل: الإنسان يسعى نحو الامتلاء، ثم يجهد نفسه وطاقته نحو ما يريد وحين يصبح ممتلكاً له ممتلأ به ينطفئ الشعور نحوه فيتحول الفوز إلى حالة من شعور اللاشعور وهذا بدوره ينهي رحلة الشغف ويفقد النعمة قيمتها ويسلب الهبات حقيقتها. كيف يتعامل الإنسان مع هذا الامتلاء؟ لا ننكر القيمة وهذا بحده جريمة، ولكن لعلنا نعيد تشكيل العلاقة مع كل مكتسب، فنتعلم كيف تُرى الأشياء من جديد، وبعين الاكتشاف المتتالي، ونراقب المسافة بيننا وبين ما نملك بالوعي الذي يعيد ترتيب الإدراك ويحقق غايته في هذا المآل وفي غيره. هل ما أملكه ما زال يحمل معناه، أم أنني اعتدت عليه حتى غاب حضوره؟ هل أعيش التجربة، أم أستهلكها؟ هل هذا المكتسب قابل لأن يذهب؟ ولو ذهب هل ستأخذ رحلة العودة ما أخذته سابقاً؟ وكم على هذه الأرض يملك ما أملكُ؟ وقس على هذا النمط الكثير من الأسئلة والتي بدورها أن تعيد تلمس المسافة بينا وبين ما نملك. ختاما.. لا يفقد الخبز طعمه لأن الخبز تغيّر، وأزعم أن الوعي تجاه ما لدينا كفيل بتصحيح العلاقة وإعادة الدهشة من جديد ولو من طرف خفي، المهم أن تبقى حاضرة ببعضها في كل ما نملك أو كلها في بعض ما نملك، وستبقى حرب الدهشة سجالاً، وسجالها بحد ذاته دهشة.