بوصفي أخصائيًا اجتماعيًا،لا أنظر إلى الانفعالات كعارض نفسي يجب كبحه، ولا كقوة فوضوية تفسد التفكير أو تهدد العلاقة الزوجية. بل أراها إشارات ذكية ولغة دقيقة تكشف شيئًا عن شكل علاقتنا بأنفسنا والعالم حولنا، لذلك لا أقف عند سؤال: كيف نتخلص من الانفعالات؟ بل عند سؤال أكثر نضجًا: كيف نصغي إليها بوعي دون أن نفقد حريتنا؟ الانفعال -خوفًا أو حزنًا أو غضبًا أو مللًا- تجربة إنسانية طبيعية، لكنه يصبح خانقًا حين يتحول من رسالة نفهمها إلى هوية نعرّف أنفسنا بها، فالإنسان ليس شعوره؛ الشعور حالة عابرة لا يقيم فينا إلا بقدر ما نسمح له، وغالبًا ما تبدأ المشكلة بالاستجابة الفورية؛ حين نتمسك بالشعور العابر فيستقر في وعينا ويبتلع انتباهنا، عندها يضيق الأفق الداخلي، وتتقلص مساحة المراقبة، ويندفع الانتباه كله نحو الشعور كأننا نُسحب إلى ثقب أسود يبتلع الرؤية والاختيار. الخطر لا يكمن في الانفعال ذاته، بل في الانغماس الكامل فيه، فالإنسان يستعيد اتساعه الداخلي عندما يلاحظ شعوره دون أن يذوب فيه، وحين ننتبه لهذه الآلية -كيف يبتلع الانفعال انتباهنا ويضيّق مساحتنا النفسية- تتضح نقطة التحول، من هنا يبدأ الاتساع النفسي باستعادة المسافة بين ما نشعر به وما نختار أن نفعله بهذا الشعور، ليست المسألة إلغاء الانفعال، بل عدم تسليم الانتباه له بالكامل، الفارق الحقيقي ليس فيما نقوله، بل في موقع وعينا: هل نلاحظ الحزن فنفهمه ونوجهه أم يذوب انتباهنا فيه؟ هل نراقب الخوف فنحتويه، أم نرتبك داخله؟ عندما تُستعاد هذه المسافة لا يبقى الوعي مجرد فكرة، بل يتحول إلى حضور عملي مع الذات، في تلك اللحظة ينتقل الإنسان من الانغماس إلى المراقبة والاختيار، فيقول لنفسه بهدوء: أنا انتباهي، ولست حزنياً أو خوفياً أو غضبياً. مع القدرة على مراقبة الشعور بدل الغرق فيه يصبح الاتساع الداخلي ممارسة يومية تقوم على الإبطاء، إبطاء رد الفعل عند اشتداد الشعور، وإفساح المجال للمراقبة قبل اتخاذ القرار. فالإنسان المتسع داخليًا ليس من لا يحزن، بل من لا يسمح للحزن أن يعزله عن مصادر التوازن: صلاة خاشعة، وقراءة متدبرة للقرآن، ودعاء صادق، وكتاب نافع، وجلسة مع مختص، أو حديث صادق مع صديق موثوق، وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد كان إذا اشتد عليه أمر قام إلى الصلاة، فهي فعل اتصال يعيد ترتيب الداخل يسترجع الانتباه إلى ما هو أوسع، وقد عبّر ابن جدلان عن هذا الاتصال بقوله: (يالي ليا قفا من الليل ثلثين ** أبواب عرشك للدعاء يفتحنا يا مستجيب لدعوة المستقيمين ** متوسلين إليك يارب عنا) الاتساع الداخلي متاح لكل إنسان يقظ لمشاعره، والانفعال لا يحمل قيمة أخلاقية في ذاته، بل معلومة تكشف حدودنا واحتياجاتنا. الغضب قد يكشف حاجة للتقدير، والخوف للاستعداد، والحزن دعوة للعودة لمراجعة اختياراتنا، لكن الفهم وحده لا يكفي؛ الانتقال من ضيق الانفعال إلى سعة الحرية يحتاج تدريبًا هادئًا:تسمية الشعور بدل مقاومته، مراقبة الحالة دون الذوبان فيها، إبطاء رد الفعل، وترك الانتباه الواعي يقود السلوك. هذه الممارسات تصنع الفرق بين حياة تُدار بردود الأفعال، وحياة تُعاش بسيادة داخلية. أدرك الفلاسفة هذا المعنى منذ زمن؛ فديكارت ختم آخر كتاب نشره في حياته (انفعالات النفس) أن على المرء أن يتعلم أن يصبح سيّد انفعالاته، وأن يتحكم فيها بمهارة فائقة تجعل المساوئ والشرور التي تتسبّب فيها محتملة جداً، بل إن المرء ليستخلص من هذه الشرور كلها الفرح، وأختم بما كتبه مساعد الرشيدي: (لو رماني زماني وسط دوامه ** العواصف شديدة والجبل راسي).