أحاول تذكّر أول كتاب قرأته، وكيف كانت رحلة التعرّف على شعور القراءة، كيف طوتني المسافات من فضول الاكتشاف إلى منفى العزلة، وحتى فضاء الكتابة وروادها، أفكّر.. كيف أثارت سطورٌ أسئلتي، وأجابتها أخرى، كيف رفعت رأسي لأقرأ العالم من حولي، وأحداثه، فصافحتني المفاجآت، واجتاحني القلق من جهلي، كيف دفعني ذلك لمزيد من القراءة، لأن نصف رحلة لا تعني الوصول، أتخيل.. كيف ارتسم لناظريّ الطريق المختلف، الذي يكيّف المسافرين فيه بمهارات تكتسب دون رتابة، كيف توقفت في محطات لأجد من يشاركون الاهتمامات، حيث أصدقاء الكتب، وكتّابها، رحلة لم تبدأ لتنتهي، وشغف لا ينطفئ فيه جانب إلا ليضيء فيه آخر. كأنما كان الكتاب الأول بوابة إلى أفلاك حياة مختلفة، مشوّقة، بكل مشاقها، ملهمة في أدق تفاصيلها، فيها العبور: يعني المزيد من الدهشة، والاستنارة، والانسجام، والتصالح، يمكنني في كل مرّة أن أعيد تعريف العالم، بما في ذلك نفسي، وحاضري، يتجاوز الأمر ذلك أحيانًا، فأعيد صياغة الماضي، وأصحح تصوّري عن المستقبل، كأنما أتدثّر بدفئها عن برد المخاوف، أتساءل: هل يمكن أن يمتلك العقل والشعور حواسّ إضافية؟ أعينًا ترى ما كانت تجهل وجوده، وتأثيره؟ ثم أصبحت القراءة حاضرة كردّة فعل تلقائية، لكلّ ما لا أملك له حلولاً، تحوّلت من هامشيتها لتكون بلسماً للشعور، وأنساً في الوحدة، وإجابة على السؤال، ونافذة تنسل منها الألوان، والسلوان، المنزل.. الذي أعود إليه بعد كل اعتداد، وزهو، فأجد بابه مواربًا لأجل تلك العودة كل مرة، شريك العيش الذي لا يطّرد خلف أفكار وعذال وأطماع، حيث بإمكانك أن ترتكب كل أخطائك، مسلّمًا بوجودها لمسامحتك كأم. تنامت القراءة من أهميتها الفرعية، من لحظات الانتظار، والتشاغل، حتى أصبح الانتظار، ينتظرها، والتشاغل بها. فيها، تعلمت منها جمالية أن تتعثر بالإجابة التي كنت تحاول العثور عليها، صحبتني في ثنايا الحديث بصحبة الآخرين، حيث تنسل من لساني بوادرها، فتلمع لها عيون من يستمع، وأفهام من يملك ذات الحيرة، تبني القواسم المشتركة، وتولّد الاهتمام الغامر، تكسب الإنسان قدرة على الغوص في ذوات الأشياء، حيث للعالم زاويا مختلفة، متوهجة في جماليتها، وإثرائها، تنسج التصالح والتسليم، وتورث الهدوء الذي تستقر له المشاعر والرغبات، لأن الوعي جنّة، بابها في غلاف كتاب. * كاتب سعودي