حين أهدتني صديقتي كتاباً بغلافه المعبر الذي يظهر جزءاً من وجه طفل وخلفه معادلات رياضية وفيزيائية، وقد كتب تحت العنوان قصة أم مع طفلها العبقري وهي تناوله لي قائلة:" كتاب يستحق القراءة" نظرت لها باستغراب، لتكمل قائلة:" اقرئيه وستعرفين". ومن أول صفحة يشدك الكتاب ببساطة التعبير وإنسيابية المشاعر والصدق في ذكر التفاصيل. الطفل العبقري هذا تم تشخيصه بطيف التوحد وبلغت والدته أنه لن يستطيع أن يدخل مدرسة عادية وأنه يحتاج رعاية خاصة وتدخُّل مبكر وأنه قد لا يتكلم ولا يتواصل. فالطفل حسب التقييم الطبي والسلوكي ليس بطفل طبيعي لكن حين تقرأ الكتاب سيتغير تعريفك للطبيعي وستنظر إلى الأمور ولكل ما حولك بطريقة مختلفة، هوسك بقبول الآخرين لك سيتغير، نظرتك المنحازة المتشددة في تقييمها لهؤلاء الآخرين أيضا ستتغير. أبلغ وصف لشعورها نحو حالة ابنها ذكرته في بداية الكتاب؛ حيث قالت:" حين تنشغل بالتسوق ويكون طفلك بجانبك ثم في لحظة تلتفت فتجده قد اختفى وتصرخ باسمه لكن لا إجابة، هذه اللحظات المرعبة التي تظن أنك فقدت طفلك فيها هي شعوري كأم فقدت طفلها حين شُخِّص بالتوحد". بعد هذه العبارة التي أجد فيها جمالاً في الوصف ساعدني على فهم شعور أي أم وأب، تكمل حديثها عن تجربتها مع التشخيص عن إنكار ما يقوله المتخصصون، عن الضغط النفسي والعصبي في جلسات التدخل المبكر، عن طفلها "جيك" الذي بدأ يتقوقع ولا يتكلم ويعيش في عالمه الخاص متأملًا انعكاس الضوء ومتعلقا بكروت الحروف التعليمية وهو يرفض التجاوب مع أي محاولة لجذبه لعالم خارج هذه الدائرة. تصف لك بلغة جميلة جدا كل لحظات ضعفها ولحظات غضبها ولحظات هدوئها ولحظات يأسها واللحظات التي تبحث فيها عن قشة كي تتعلق بها. مشاعر يصعب علينا أن نتخيلها أو نفهمها، لكن تصل لك وتجعلك تفكر في أشياء كثيرة. الكتاب عن حكاية "أم" قررت أن تتعامل مع القدرات التي يملكها ابنها لا التي يفقدها، الكتاب عن التقبل، عن التعايش، عن التوافق مع ما تمر به. هو رحلة محبة قررت فيها الأم أن تدخل عالم الطفل لا أن تحاول جذبه لعالمها وتغييره كي يصبح مثل الآخرين. والكتاب عن تجربة عمَّمتها في تواصلها مع أطفال آخرين لديهم نفس الصعوبات. الكتاب عن إصرار ورغبة في التواصل، الكتاب عن الحب غير المشروط لهذا الطفل ومحاولة فهمه بدلاً من التوقف أمام تصنيف معين يضع أمامك حدوداً وأسواراً. لكن كيف فعلت كل ذلك؟ ولماذا؟ وما هو اسم الكتاب ومن هي المؤلفة وما هي خلفيتها العلمية؟ نكمل في المقال المقبل بإذن الله.