حين قلت ذات يوم: «اللغة الفاتنة.. بوابة القبول»، لم أكن أطلق عبارةً عابرة، بل كنت أستدعي يقينًا عربيًّا قديمًا، عرفناه في أعماقنا قبل أن نتعلّمه في الكتب؛ ذلك أن اللغة عند العرب لم تكن يومًا مجرّد وسيلة للتخاطب، بل كانت البيت الذي تسكنه المعاني، والماء الذي تتشكّل منه الروح، والمرآة التي ترى الأمة فيها صورتها كلما خشيت عليها من التبدد.. بها كتبنا نصف تاريخنا، وربما أكثر، وبها تشكّلت معارفنا، وتخلّقت أخبارنا، وارتفعت الأحداث الصغيرة حتى غدت عظيمة، كما سقطت أحداثٌ أخرى من الذاكرة حين فارقتها البلاغة، وانصرف عنها البيان' لهذا لم تكن قواعد اللغة، ولا إملاؤها، ولا نحوها، شأنًا تعليميًّا ضيقًا، بل كانت مرجعيةً كبرى تحفظ للأمة ملامحها، وتصون لها هيبتها في القول والكتابة' نحن لا نحضر باللغة بوصفها ثوبًا خارجيًّا يمكن تغييره متى شئنا، بل نحضر بها بوصفها جلدًا رمزيًّا، وهويةً لا نستطيع الفكاك منها، لأننا لا نكون تمامًا إلا في قوالبها، ولا نبلغ اكتمال حضورنا إلا حين نستقيم في منطقها وموسيقاها' ومن هنا يأتي هذا القلق الذي يساورني، ويكاد يساور كل من لا يزال يرى في العربية أكثر من مجرد أداة؛ إذ إن ما نراه اليوم من أخطاء لغوية وإملائية في فضاءات التواصل الاجتماعي، وفي التداول اليومي، ليس تفصيلًا هامشيًّا يمكن التغاضي عنه، بل هو أثرٌ ظاهر لخللٍ أعمق أصاب علاقتنا بلساننا،فنحن اليوم نكتب أكثر مما نتحدث، ونقرأ أكثر مما نصغي، وصار المكتوب هو الواجهة الأولى للإنسان، بل ربما غدا سيرته المختصرة أمام العالم' ولذلك فإن التفريط في سلامة اللغة ليس تفريطًا في شكل العبارة فحسب، بل تفريط في هيئة الذات وهي تقدم نفسها للناس' لقد ترك تعليمنا العام فجوةً مؤلمة حين خفّف من العناية بتدريس الإملاء، وكأن الكتابة السليمة أمرٌ ثانوي يمكن تجاوزه' ومن تلك الفجوة خرجت أجيالٌ متفوقة في حقول كثيرة، بارعة في علوم متعددة، لامعة في ميادين شتى، لكنها ما إن تهمّ بكتابة ما تعرفه حتى تتعثّر في الطريق إلى الورق، فيتراجع وهج الفكرة، ويبهت العلم، وتضطرب الثقة، وليس في هذا انتقاص من تلك الأجيال، بل هو أسفٌ على ما حُرمت منه، لأن الفكرة العظيمة لا يكفي أن تكون صحيحة، بل ينبغي أن تُحسن الظهور، فالذي يُكتب هو الذي يُقرأ، وليس على القارئ أن يمارس دور المرمّم اللغوي، أو أن يؤوّل الخطأ بحجة أن المضمون أهم من المبنى، ذلك أن اللغة هي الغلاف النفسي للفكرة، وهي انطباعها الأول، وصوتها الداخلي، ووجهها الذي تواجه به العالم، لا أحد يطمئن تمامًا إلى فكرةٍ مرتبكة التعبير، ولا يثق ثقة كاملة بعلمٍ لا يعرف كيف يقدّم نفسه بوضوحٍ وسلامة، وحتى لو قال قائل إن العربية لم تعد اليوم لغة العلم الأولى، فهذا لا يسوّغ التهاون بها، لأن اللغة، في حدّها الأدنى، وعاء الهوية، وإذا تهشّم الوعاء ضاع شيءٌ من المعنى، مهما بدا المعنى متماسكًا، إن العربية ليست إرثًا جماليًّا فحسب، بل عهدٌ تاريخي بيننا وبين الذين سبقونا، هي الجسر الذي نعبر به إليهم، ويعبرون به إلينا، وكلما اتسعت مسافات اللهجات، وتكاثرت الفروق، وتفرّقت الشعوب في خرائطها وهمومها، ظلّ هذا اللسان الفصيح آخر ما يجمعنا على معنى واحد، ويمنحنا شجرة نسبٍ ثقافية لا تنقطع، ولذلك فإن حمايته من الزلل ليست ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورة وجودية. ولهذا أقول لأساتذتنا الأجلاء، ولأصحاب الحضور العلمي والاجتماعي، ولمن تصدّرت أسماؤهم واجهات التعليم والثقافة: ارفقوا بمن وثقوا بعلمكم، وجاؤوا إليكم طلبًا للمعرفة. اكتبوا لهم لغةً سليمة، لأنكم لا تنقلون إليهم معلومةً وحسب، بل تنقلون معهم طريقة الوعي، وشكل الانتماء، وملامح الهوية. وإن أعياكم ذلك، فعودوا إلى كتب الطفولة الأولى؛ ففي أبجدياتها البسيطة من النور ما يذكّر القلب قبل العقل أن العربية ليست مادةً تُدرّس فقط، بل وطنٌ صغير نسكنه كلما كتبنا على نحو صحيح..!