«الشمراني» يقدم نسخة من أوراق اعتماده سفيراً للمملكة لدى طاجيكستان    دراسة: مادتان ترتبطان بولادات مبكرة ووفاة آلاف المواليد    كونسيساو: كنا محظوظين.. ونحتاج الجمهور في دوري أبطال آسيا للنخبة    النصر يتغلب على متذيل الترتيب ويعزز صدارته    القبض على باكستانيين في عسير لترويجهما (1.1) كجم "حشيش"    تحطم طائرة قتالية أمريكية ثانية قرب هرمز وإنقاذ طيارها    القيادات الشابة السعودية وصناعة المستقبل    وزارة الحج: ضيوف الرحمن المنتهية تأشيراتهم 8 رمضان يمكنهم المغادرة قبل 18 أبريل    آل دلمه يحتفلون بزواج الشابين "ناصر و خالد"    الاتحاد يعلن نجاح جراحة "الرباط الصليبي" للاعبه محمدو دومبيا في فرنسا    ضمن تعزيز الجاهزية.. الهلال الأحمر يدرّب منسوبي أمانة نجران عبر (الثمان الأولى)    خادم الحرمين الشريفين يأمر بترقية وتعيين 218 قاضيا بوزارة العدل    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    الكويت: رصد 7 صواريخ باليستية و26 مسيرة معادية خلال ال 24 ساعة الماضية    خطبة الجمعة من المسجد النبوي الشريف    مع دخول الصيف.. ظهور "الكباث" على الطرقات وفي مواقع انتشار الأراك بجازان    خطبة الجمعة من المسجد الحرام    إقبال متزايد على معرض "بيدلكس" في يومه الثاني بمشاركة أكثر من 150 عارضًا    نجم شاعر المليون سعد عمر يشعل أمسيات جدة بشعر نبطي أصيل وإبداع معاصر    هيئة الصحفيين بالطائف تحتفي بعيد الفطر بحضور إعلامي وبرعاية "جو الورد    إمارة نجران تنظم ورشة عمل لاستراتيجيتها    الذهب يستقر مع عطلة الأسواق وترقب عودة الزخم    انعقاد المؤتمر السنوي العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب (SANS 2026) بجدة    رئيسا كوريا وفرنسا يناقشان التعاون بشأن أزمة الشرق الأوسط    الخارجية الفلسطينية ترحب بقرار جامعة الدول العربية بشأن القدس والأسرى    الشباب يكشف عن إصابة محترفه    بلدية الدمام تحقق نقلة نوعية في تنظيم الأسواق    صخرة عنترة في الجواء.. الحب والمكان    تفكر وتأمل    جمالية الموت في نماذج من القصة السعودية القصيرة    الدكتور رضا عبيد في ذمة الله    أمين مدني.. الأدب والتاريخ    اتحاد التايكوندو يعزّز مسيرة التطوير ويستعرض منجزات الربع الأول بخطى متسارعة    أزمة غيابات تضرب الهلال قبل مواجهة التعاون.. والغموض يحيط بموقف نيفيز    الدوحة تستضيف الأدوار النهائية لدوري أبطال الخليج 2025-2026    قصة الحزام الناري تبدأ بوخز وتنتهي بمعاناة طويلة    رئيس مركز قوز الجعافرة يكرّم الزميل منصور الجعفري    الدمام تستضيف منتدى الشرقية للاستثمار الصحي 2026    تعليم الأحساء يحصد درع التميز للمسؤولية المجتمعية على مستوى المملكة    أمير نجران يلتقي رئيس فرع النيابة العامة بالمنطقة    وزراء خارجية السعودية ودول عربية وإسلامية يدينون سن الاحتلال الإسرائيلي قانونا يجيز الإعدام بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية    انطلاق 4 رواد فضاء نحو القمر لأول مرة منذ نصف قرن    تأسيس محفظة بقيمة 150 مليون ريال لدعم المشروعات والعمل الصحي    وزير الدفاع يستعرض مع نظيره اليوناني التعاون العسكري    فيصل بن مشعل يترأس اجتماع «أمناء جائزة القصيم للتميز»    أمير الرياض يستقبل السلطان    أمسية للمرشد عن «الأم في الأدب»    «أم القرى» تدعم المنظومة الرقمية لخدمة ضيوف الرحمن    هجمات تستهدف منشآت حيوية بالكويت والبحرين    الأمن البيئي يضبط 3 مخالفين للصيد البري المحظور    مختص: شهران على انتهاء موسم الأمطار في السعودية    نمو التمويل الصناعي عبر التقنية المالية    ارتفاع السوق    أمير الشرقية ونائبه يعزيان السهلي    تأمين ناقلات نفط دون خسائر بشرية.. اعتراض عشرات الصواريخ والمسيرات الإيرانية    زلزال بقوة 4.9 درجات يضرب مصر    لينا صوفيا تنضم لأسرة فيلم «ويك إند»    ملابس الأطفال الرخيصة «ملوثة بالرصاص»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جمالية الموت في نماذج من القصة السعودية القصيرة

تعتبر اللحظة الأخيرة من حياة الإنسان لحظة حاسمة، ليس للإنسان الميت فقط بل الجماعة المحيطة به، فهي نقطة تحول من حياة لأخرى بالنسبة لهم، وهي لحظة انطفاء في الوجود بالنسبة للميت، ويدور حولها صراعات الإنسان ومآله، فهي النقطة العمياء التي تثير الخوف والخشية والخضوع، هي اللحظة التي تحدى بها الخالق الإنسان، هي لحظة الانكسار، التي تعامل معها الإنسان من فجر الخليقة بطرق عدة، وأشكال شتى، فتأمل فيها، ماذا يصنع بعدها؟ وماذا يفعل قبلها؟، كيف تكون؟ وكيف نصير بعدها؟، وماذا يجري لمن حولنا؟ وما مآلاتنا؟
ومن المجالات التي عالج فيها الإنسان هذه القضية مجال الأدب في الشعر والحكايات والسرد عمومًا، ويعنينا هنا في هذه السطور أن نتناول كيف تعامل القاص السعودي - من خلال نماذج محددة - مع فكرة الموت، كيف عالجها ونظر إليها، وفق كونها حدث اجتماعي أو حدث فردي ورؤيته لها، وزوايا النظر إليها.
يكاد ألا يخلو كاتب قصة من ذكر الموت في نص من نصوصه أو الإشارة إليه من بعيد أو قريب، فالموت من القضايا الرئيسة في حياة الإنسان، وهي تجربة عاشها الجميع، وكان لها بصمة أثرت في مسيرة حياتهم، ومن هنا تبرز أهمية هذه القضية التي هي جوهر الحياة.
وفي هذا المقال نتناول ثلاث قصص لثلاثة كتاب سعوديين عالجوا قضية الموت بأساليب سردية متنوعة، وبرؤية مختلفة، فكل قاص عالجها بطريقته وأضفى عليها شعوره وإدراكه.
إن "الموت.. حادث من نوع مختلف.. إنه حادث الحوادث، ليس مثلها جميعًا، إنه - بالنسبة لنا أو لغيرنا - حادث عنيف يكسر إيقاع الحياة الرتيب نسبيًّا، وليس هذا فقط بل إنه يوقف دورتها، ويجعلها تقف جامدة عند تاريخ يستحيل أن تتحرك بعده، ولا تتقدم قيد أنملة" لنعرف من خلال هذا المنظور الجو العام الذي تنطبع فيه النصوص، وخصوصًا لتلك الشخصية التي يحدث فعل الموت بين يديها، أو حينما يستل منها الموت من تحب ويجعلها تهيم في هذا الوجود.
المعالجة الأولى: الموت كونه انقطاع للإيقاع الجمعي وبناء للأسطورة وسقوط الرمزية:
في قصة قارع الطبل وطائر الليل من مجموعة العبور لناصر الجاسم.
يقدم لنا ناصر الجاسم قصته حول الموت من خلال ليلة احتفالية لها طقوسها الجمعية، من خلال رقصة العرضة السعودية الشهيرة، "الراقصون يدكون الأرض بأقدامهم.. الجيوب مفتوحة وأنوار العرس والعرق يسحان على الثياب وعلى ساحة الرقص" هذا الطقس الجمعي لا يرضي قائدهم قارع الطبل "هتمي" والذي يرى أن الجيل الجديد يخالف القوانين التي يسير عليها نظام العرضة فلم يكن هتمي "راضياً عن أداء الراقصين السريع فهو يشبههم براقصي الديسكو.." فلقد "حاول كثيراً طردهم من العرضة لكنهم فرضوا أنفسهم عليها" وبسبب هذا الرفض كان هتمي يستمد حياته وحين فرضوا أنفسهم عليه ولم يستطع طردهم "يسقط هتمي ميتاً في الساحة ويتدحرج الطبل من يده" ذلك أن هناك طائر مجهول هو "طائر الليل" الذي كان يجول في السماء كل ليلة يكون فيها هتمي قارعًا للطبل لمدة خمسين عامًا فهتمي منذ (خمسين) سنة وهو قارع الطبل الأمثل بالقرية.. لا أحد يجرؤ على حمل الطبل وهو موجود.. الفرصة السانحة إذا مرض أو غاب ونادراً ما يغيب أما إذا مرض تحامل على نفسه وأمسك بالطبل" وفقد الناس هذا الطائر بعد موت هتمي ف "لم ير الناس ذلك الطائر.. فقد حاول ورثة هتمي في قرع الطبل إظهاره لهم لكنهم فشلوا ولم يعد أحد في القرية بعد ذلك ينظر إلى السماء متحرياً رؤية الطير والعرضة مقامة".
ف"هتمي" في هذا الحدث ليس فردًا عاديًا فهو قارع الطبل الذي شكل مع طائر الليل أسطورة ونموذج لإحلال قوانين طقس هو طقس العرضة الأسطوري الحقيقي الذي يفتتح الحروب – التي هي الموت - قبل أن يفتتح الزواج الذي هو صناعة حياة جديدة أي مضاد للموت، كان هتمي المؤتمن على هذا الخيط الرفيع بين الموت والحياة، وكانت العلامة هي طائر الليل، كان عليه أن يجعل العرضة تسير وفق ميزان لا يمكن مخالفته لمدة خمسين عامًا وحين مخالفته لمرة وحيدة سقط "هتمي" ميتًا.
فانهارت الأسطورة ورمزيتها المتعلقة بهتمي، حاول الآخرون من بعد هتمي أن يوجدوا هذه الرمزية وأن يصنعوها، فتناوبوا على قرع الطبل وكان الآخرون يتحرون ظهور "طائر الليل" وطبل العرضة يقرع ولم يحضر في كل ليلة حتى أدركوا أن العهد الذي كان يُحضر هذا الطائر انتهى بموت "هتمي".
ولم يكن موت "هتمي" موتًا فرديًا بذلك بل كان انهيارًا للجماعة حيث "العريس ريزان يغادر المخيم المنصوب منكس الرأس محوقلاً تارة ومهمهماً تارة أخرى" فموت قارع الطبل في ليلة عرسه هو نذير شؤم عليه وعلامة فارقة في تاريخ الجماعة، حيث سيؤرخ الحدث بغياب الأسطورة وانتهاء الرمز في ليلة زفافه، وكان موت هتمي حدثًا جمعيًا وخبرًا يتم تناقله.
وهنا لا يتم النظر إلى الموت وقوانين العرضة وطائر الليل كونه حدثًا اجتماعيًا عاديًا، بل ينظر إليهما بصفة رمزية مختلفة، وهي أن المجتمعات تنتظمها قوانين وأسس وهناك قائمين على تنفيذ هذه القوانين فإذا تخلى القائم على هذه القوانين وتراخى عن آدائها للحظة واحدة تنهار هذه المجموعة من القيم والقواعد مما يؤدي إلى انهيار الجماعة، ولا يمكن للآخرين إعادة البناء وإيقاف عجلة الزمن بدليل أنهم حاولوا إرجاع طائر الليل "الرمز لهذه القوانين" بعد وفاة "هتمي".
وكذلك فإن حالة الموت لهتمي واختفاء الطائر رمز لانتهاء حقبة اجتماعية بما تحمله من عادات وتقاليد يمثلها "طائر الليل" ومن هو حارس قديم لهذه القيم والعادات ويمثلها "هتمي" وحالة الموت هي انتهاء هذا الحرس القديم وولادة جيل جديد يحمل قيم أخرى وتقاليد مختلفة تتواكب مع العصر ورتمه السريع بدلالة قوله: " لم يكن هتمي راضياً عن أداء الراقصين السريع فهو يشبههم براقصي الديسكو" وما محاولة البعض في أن يبحثوا عن طائر الليل في رقصة العرضة إلا محاولة منهم للإبقاء على النظام القديم، لكنهم في الأخير استسلموا للتيار الجديد.
المعالجة الثانية: الموت كونه مأساة فردية ممتدة إلى الآخر، في قصة "إلى حين" من مجموعة وميض الأزمنة المتربة لعبد الله الوصالي.
كان الموت هو محور الحدث في نص "إلى حين"، حيث كانت فكرة النص تعتمد على موت المريض الذي أُحضِر إلى "جناح العناية الفائقة"، ويذهب إليه الطبيب "شخصية النص الرئيسة وراوي الحدث بصيغة المتكلم" ليعاينه، ثم يعلن هذا الطبيب وفاة المريض ليبدأ بعد ذلك صراع طويل داخل نفس الطبيب حول وفاة هذا المريض "لا أدري كم مضى من الوقت قبل أن أشعر بربتات خفيفة على كتفي وبصوت هامس يطرق أذني.. انتبهت لأجد الممرضة إلى جواري.." وبعد أن أنهى الطبيب الإجراءات الورقية لإعلان وفاة المريض لم ينتهِ الصراع النفسي الداخلي لهذا الطبيب بل راح يقول "رعشة تنتابني كلما تذكرت أن روحينا قد فاضتا في وقتين متقاربين.. وبينما غادرت إحداها إلى الأبد.. عادت الأخرى إلى حيزها الضيق.. إلى حين" فالموت عنده ليس انتهاءً للحكاية والحدث بل يولد الموت أحداثًا جديدة، فنجد أن فكرة الموت سيطرت على الطبيب حتى شعر بأن روحه أيضًا فارقت الحياة، وأنه بعد ذلك ينتظر فقط كهذا المريض أن يقوم أحدهم بعمل الإجراءات الورقية وذلك حينما يحين الوقت مثلما قرر الراوي في آخر النص بقوله: "إلى حين" .
يقدم لنا الموت هنا أيضًا في سياق طبي وفي معاناة الطبيب من ناحية عملية قبل الناحية الإنسانية فهذا الطبيب حاول مع مريضه كل ما يستطيع " لم يبق بأيدينا ما نفعله لأجله سوى أن نضمن له استهلاك أنفاسه المتبقية دون ألم" فلقد وقع في قراره أن مريضه يتنفس هواءه الأخير، إلا أنه مع ذلك يمتد هذا الموت من المريض إليه في حالة إنسانية يتجاوب فيها هذا الإنسان مع الإنسان، ولعلها هي التجربة الأولى لهذا الطبيب الذي شعر بأنه ميت بسبب موت مريضه إنما فقط ينتظر الإجراءات الورقية التي تعلن خاتمة حياته، وهنا نتساءل ألن يموت بجانبه مرضى آخرون في الأيام القادمة وطوال عمله في العناية الفائقة؟ هل سيشعر معهم ذات الشعور الذي شعر به مع هذا المريض؟ أم أنه مات والميت لا يشعر بمن حوله؟
إن هذا التضامن الإنساني الذي شعرنا به من خلال الطبيب ومريضه وهذه المحبة الفائضة والرحمة هل انتهت بالموت الأول الذي شعر به؟، والآن عليه بعد أن يُجرْد أحاسيسه ومشاعره ولا يهتم إلا بالحالة المرضية من ناحية طبية علمية خالية من الشعور الإنساني.
ومن الناحية الاجتماعية الأخرى للمريض، بعكس "هتمي" في قارع الطبل وطائر الليل، الذي كان موته حدثًا اجتماعيًا حضره الجميع ونال اهتمامهم، فإن المريض في نص "إلى حين" كان وحيدًا لم يحظَ بأي أحد، فملفه الطبي لا يحتوي على أي هاتفٍ يمكن استخدامه للاتصال بذويه: " نظرت إلى البيانات الشخصية:
الاسم: سالم
الديانة: ...
الجنسية: ... العنوان: .... رقم الهاتف: بدون".
فالبيانات الشخصية لهذا المريض لا يوجد فيها رقمًا هاتفيًا يمكن الاتصال به فقد دون أمام رقم الهاتف "بدون" وكأن لا أحد يرغب به، أو هو عبء على ذويه يريدون الخلاص منه إلى الدرجة التي تجعلهم يقولون لا نريد حتى أن نسمع خبر موته، فهو ميت بالنسبة لهم قبل يوم موته الفعلي بزمن، وهو هنا الموت الاجتماعي الذي يسبق الموت الحقيقي بزمن طويل هو يوم دخول المريض إلى المستشفى قبل تشخيصه بمرضه الخطير.
المعالجة الثالثة: الموت كونه قضية فلسفية فردية: في قصة طعم الموت من مجموعة "موت" لعبد الجليل الحافظ.
الموت في نص "طعم الموت" هو تجربة مختلفة كليًا عن التجربتين السابقتين عند الجاسم والوصالي، فالموت في هذا النص هو موت مختلف، هو محاولة للرحيل إلى الموت نفسه، ليس من باب الانتحار بل من باب التجربة، وكأننا أمام شخصية جربت كل المتع أو جربت كل الألم ولم يبق إلا متعة واحدة أو ألم واحد لم يتم تجربته هو "الموت" وهو ذلك السر الغامض الذي أجمعت البشرية على أنه حقيقة لا مناص منها فهو المصير الأزلي المجهول، لهذا يرغب في تجربته ليعرف ما السر فيه الذي يبعث الهيبة والخشية والخضوع عند حضوره أو التلفظ به، فتقول الشخصية: " جربت من خلال أحلامي أشياء لا تعد، وخيالات لا تحصى، ثمة شيء واحد لم أجربه بعد، ولم أعرف ما كينونته في هذه الحياة" هو قد لمح الموت من بعيد لكنه لم يستطع اقتناصه وتفسيره ومعرفته، لمحه في "عيني والد(ه) حينما غادرت وانطلقت روحه صوب البعيد" حاول أن يكتشف الحزن الذي يسببه الموت والرحيل في عيني والدته إلا أنها "عادت ابتسامتها بعد مدة من الزمن.." من الحزن على والده وكأن شيئًا لم يكن وكأن شيئًا لم يحدث، وأصبح يتناول الموت كتجربة أخرى يشعر بها يحسها ويلمسها أو يرغب في أن يكون كذلك: " له نكهاته المتعددة والمختلفة بحسب الطريقة التي سنموت بها، فلكل طريقة طابعها ومذاقها الخاص..
ولكن هل الطريقة في الموت هي التي سوف تحدد نكهة الموت وطعمه ؟!"، فالموت لا يمكن لمسه ولا يمكن وضعه تحت مجهر الطبيب أو مختبر الكيمياء، لذلك كان لابد من أن يحوله من فكرة مجردة إلى شيء مادي ملموس يمكن تذوقه ومعرفة نكهته وطعمه.
وتبدأ الشخصية في التساؤلات الفكرية حول جدوى استمرارية الحياة من ناحية، وهل يشكل الموت فيها فارقًا؟، فحينما يقول بأنه يرغب بأن يجرب "نكهة وطعم موت كل شخصية عاشت في هذا التاريخ" فهل موت هذه الشخصيات أثرت على هذا الوجود الكلي للعالم؟، هل توقفت الحياة عن الاستمرارية؟ إن أمه عادت للابتسام والضحك معهم وكأن رحيل والده لم يشكل فارقًا مع أنها حزنت عليه حزنًا شديدًا أول الأمر، وهكذا إن رحيل شخصيات أخرى مهما كان ثقلها في هذا العالم أو بالأحرى اعتقادنا بأن لها ثقلًا في هذا العالم، هل سيغير "الرحيل / الموت" من العالم شيئًا، والسؤال الوجودي نفسه ليس على الإنسان فقط بل على مستوى أكبر من الإنسان هل الرحيل رحيل أي شيء سيهز الكون ويجعله يغير من سننه؟ حينما تموت أو تسقط حضارة، فإن مكانها ستصعد حضارة أخرى. وتبقى الحياة لغزًا آخر أعظم من لغز الموت والفناء.
ختامًا إن الموت في القصة القصيرة لا يكتفي على هذه التصورات الثلاث في النصوص السابقة، بل إن هناك نصوص أخرى لدى نفس القاصِينَ الثلاثة عالجت هذه القضية معالجة مختلفة وتناولتها من خلال منظورات متعددة، ناهيك عن معالجة كتاب القصة السعوديين الآخرين الذين تناولوا ذات التجربة وفق أبعاد متعددة وزوايا نظر مختلفة وبرؤى ثقافية متنوعة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.