مؤسفٌ تأثّر أنصاف المثقفين الذين انزلقوا جزئياً نحو مطبّ وهم المعرفة، وصولاً إلى الجهل المدّعي المنبهر بسذاجةٍ جليّة بالخطاب الاستشراقي الاستعلائي الذي يصم الشرق والشرقيين بنعتهم بالمتخلّفين، وهم لا يعرفون شيئاً عن مفكّري وفلاسفة ومثقفي ومتنوّري وعظماء الشرق ومدى تأثيرهم في العالم وحضارات الشرق. لا تتنازل عن أيٍّ من قناعاتك وأفكارك ومواقفك اللصيقة بضميرك من أجل وهم «العالمية»، لا معنى للعالمية على الإطلاق ما لم تكن جذورك راسخة، وإذا لم يكن لديك شرف الانتماء إلى ذاتك وروحك، وإلى هويتك الوطنية والقومية والإنسانية ثمّ الكونية؛ فكلّ إنسانٍ على وجه الأرض متّصلٌ بالكون والطاقة الكونية وروحهما. يحترمك العالم وتفرض احترامك فيه حين تكون بمبادئك وشخصيّتك منسجماً ومتناغماً مع نفسك بأصالةٍ، وحين تكون لديك رسالة نبيلة سامية في هذه الحياة، ولا يحترم العالم شخصاً بلا ضمير وموقفٍ صادقٍ وقناعات، وبلا طعمٍ أو نكهةٍ أو لونٍ لا يجيد سوى التماهي بلزوجة وميوعة (حدّ الذوبان) مع هذا العالم كلّما هبّ الهواء وكلّما اختلّ توازن الكوكب. انفتِح على العالم بأسره وتفاعلْ معه ومع نتاجه وأَفِد من التراكم المعرفيّ العالميّ والتطوّر، وحافظ في الوقت عينه على خصوصيّاتك الثقافية، وشكِّلْ اختلافاً صادقاً بلا أدنى افتعالٍ تَكُن؛ فالعالم ليس بحاجةٍ إلى نسخٍ مكرورة عنه وممجوجة بانتهازية نافرة أو بتقليدٍ بهلوانيٍّ بائخ يلغي شخصيّتك وهويّتك ويحوّلك إلى مهرّجٍ تافه بلا قيمة، بل يحتاج إلى اختلافٍ شفّافٍ يغني أو يضيف حين يكون. وكما قال الشاعر رسول حمزاتوف: «العالمُ يبدأ من عتبة بيتي»، فكِّر ملياً بهذه الجملة وحلِّلْها قبل أن تحكم عليها، فالفهم أثمن ما يملكه الإنسان، والإدراك يحتاج إلى وقتٍ، ولا يمكن اختصار طريق الحكمة. كلا، لن تتفوّق على الغرب بثقافة الغرب بحذافيرها، هذا الانبهار الأعمى بالغرب الذي يستبطن عقَد النقص والدونية التي اعترتك يتأتّى عن كونك تجهل قيمة الكنوز الإبداعية والثقافية والحضارية في أوج حضارتك. لن تتفوّق على باخ أو على بيتهوفن أو شكسبير أو موليير، وماذا يعني أن تقدّم للغرب أغانيه هو بحذافيرها وببصمته هو وبهويّته هو، مُسقطاً هويّتك أنت كلّياً من الخارطة الثقافية والإبداعية والحضارية! الغرب، بل العالم بأسره يُحبّ أن تقدّم له ذاتك ببصمتك أنت وهويّتك أنت، بلغتك العظيمة الثريّة أنت وإبداعك، وكما يقول المصريّون: «ما تروحش تبيع المَيّة في حارة السقّايين». المستشرقون غير المتعالين مثلاً (وهم موجودون) يلهمهم الشرق، والمبدعون حول العالم يلهمهم الشرق، لأنهم يدركون أهمّيته والغنى الرهيب في حضارته وتاريخه، أمّا التخلّف في الشرق، فهو بسبب معظم الأنظمة المتعاقبة والانحطاط الذي باتت تعمّمه وتبثّه غالبية التلفزيونات والإذاعات التي تعمد إلى تشويه الذائقة وتغييب الوعي، طبعاً الحوار الثقافي والإبداعي بين الشرق والغرب مهمٌّ جدّاً وحيويّ، والدمج فنّياً قد يكون خلاّقاً ورؤيوياً، كما أنّ التأويل الإبداعي للغرب في الشرق في غاية الأهمية والجسور الثقافية ضرورية، والغرب لديه نتاجات هائلة تستحقّ الإعجاب والإضاءة عليها والتنويه بها ويتأثّر بها كثيرون، وهذا طبيعي، لأنّ الإبداع كونيٌّ وعابرٌ للأوطان والحدود، وكذلك الفكر الإنسانيّ في سطوعه وتجلّياته. لكن أنت لديك أيضاً حضارة عظيمة، ولغة عظيمة نابضة الآن ومضيئة، وفلسفة موحية شكّلت نوراً للغرب سابقاً (راجع التاريخ)، ولديك حاليّاً مقامات موسيقية أصيلة عظيمة جداً، فإذا نسيت هويّتك سوف تُنسى في تماهيك مع الآخَر حد الذوبان والتلاشي والاندثار والامّحاء، فاعتبِر واكتنِه واعتدّ بنفسك وطوِّر في أطر الحداثة هذا الإرث الهائل بين يديك. الإبداع في القرن الحادي والعشرين لا يخضع لشروط هذا أو ذاك ولا لقواعد صارمة يفرضها منظّرٌ أو مراقب، وأنا مؤيّدة لحرّية الإبداع، لكن يجب أن يكون الإبداع ممهوراً حتماً ببصمةٍ واضحة وبنفَسٍ جليّ مؤسلَب ذي شخصية. التأثّر جزئياً بالغرب في إلتماعاته رائع أو مفيد لكن بشرط أن تعتمر هويّتك أنت حين تتأثّر به، فأنت بلا مضمون يعبّر عن شخصيتك الحضارية (في انفتاحها وتفاعلها مع العالم)، وأنت بلا هوية لا شيء على الخارطة الحضارية، فتنبَّه! وفي مثالٍ بسيطٍ وعميقٍ في آن تتبدّى فيه مكانة اللغة والثقافة العربيّتين نذكر أنّ نعوم تشومسكي في أحد حواراته قال إنه تعلّم اللغة العربية عندما كان طالباً لكنه أخطأ بإهماله الممارسة طويلاً، مما أثّر سلباً على قدرة استيعابه للعالم من خلال الفجوة المعرفية هذه. إنه اعترافٌ كبير من عالِم الألسنيّة الأبرز في زمننا عالمياً ومن المفكّر الاستثنائي في أميركا، ما يبيّن مقام العربية من منظور علمي مدروس ألسنياً وحضارياً وثقافياً ومدى أهمّيتها على خريطة العالم بأسره، لا في الولاياتالمتحدة فحسب. قال تشومسكي أيضاً إنّ اللغة العالمية اليوم هي الإنجليزية لكن بعد 20 سنة قد تكون الصينية أو العربية ربّما هي اللغة العالمية.