يجري الحديث أحياناً عن أنواع أدبية عربية خالصة تستلهم جذورها من التراث ومادته، من الماضي وآثاره الباقية، وهي دعوة تعكس رغبة مطلقيها في احداث قطيعة ثقافية مع الغرب، على صعيد المعرفة النظرية والأشكال الأدبية وصور تفاعل الثقافات واستفادتها بعضها من بعض. وإذا كانت دعوة مثل هذه مستغربة في زمان امحاء الحدود الجغرافية. بمعناها التقليدي، وانتقال المعلومة من أقصى الكرة الأرضية الى اقصاها في غضون ثوان قليلة، وتحول العالم قرية كونية صغيرة، فإن ما هو مستغرب أكثر ان ننسى ان المسرح والرواية والقصة القصيرة والسينما، كلها تطورت لدينا بفعل الاحتكاك مع الغرب وتأثير الأنواع الفنية، الغريبة الصورة والمصدر، حتى ان العرب الذين انجزوا عملاً سردياً ضخماً مدهشاً مثل "ألف ليلة وليلة" عادوا لاكتشاف هذا الكتاب المذهل بعد ان اصطدموا بالنوع القصصي والروائي الغربي الذي نكتشف الآن ان تأثير "ألف ليلة وليلة" فيه كان جذرياً. ولم تتطور الرواية في الغرب إلا من خلال احتكاكها بذلك الأثر السردي العظيم كما تقول لنا الدراسات الغربية المقارنة. حقق الغرب نهضته الثقافية، وصعوده الحضاري، من خلال ترجمة آداب الأمم الأخرى ودراسة منجزها الحضاري، سواء تلك الآداب التي عدها جذره الحضاري - الثقافي، كالفكر والإبداع الاغريقيين، أو تلك الآداب التي عدها حلقة وصل بين ثقافته وثقافة الاغريق كالثقافة العربية الإسلامية. هكذا استطاع الغرب، من خلال هذا التمازج الحضاري، اغناء فكره وثقافته بأفكار الأمم الأخرى وثقافاتها، حتى اننا نشهد في زماننا الحاضر كتّاباً ومفكرين من الأعراق المختلفة يسهمون في صناعة ثقافة الغرب المعاصرة، ويخلصون هذه الثقافة من بعض ما تعانيه من جفاف وما تواجهه من أزمات وشروخ داخلية عميقة. كما يسهم الروائيون الآتون من آسيا وأفريقيا ودول الكاريبي والعالم العربي، على سبيل المثال، في ضخ دماء جديدة في الثقافتين الانكليرية والفرنسية، ما يجعل المؤسسة الثقافية الغربية تكافئ هؤلاء بالجوائز التي أصبحت تذهب سنوياً إلى كتاب لا ينتمون الى الغرب، هوية وعرقاً، ولكنهم صاروا ينتمون الى نسيجه الثقافي ومحاولته اعادة نظره بهويته غير المتجانسة. من هنا يبدو الحديث عن أنواع أدبية عربية خالصة محض وهم وصدوراً عن رؤية عرقية مغلقة تقرأ التاريخ بعيون مغمضة ولا تلحظ ان الثقافات جميعها ذات طبيعة هجينة بسبب التلاقح الذي يحصل، على مدار التاريخ، بين الانجازات الحضارية للشعوب. وعلينا ان نُذكر بأن الحضارة العربية الإسلامية، خلال ما يزيد على ألف عام، هي نتاج شعوب وأعراق مختلفة وليست انجازاً عربياً خالصاً. فما يضير الكتاب العرب ان هم تأثروا بثقافات الشعوب الأخرى وأعادوا صوغ هذه الثقافات في كتاباتهم؟ ان كاتباً مثل الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس يقيم في ظلال "ألف ليلة وليلة" كما يستلهم فكر الفيلسوف العربي العقلاني ابن رشد في كتاباته القصصية والروائية. انه يكتب نص "ألف ليلة وليلة" بطريقته، ويشير على الدوام الى ما احدثه هذا النص العظيم في كتابته وطريقة تفكيره بالعالم. فإذا كان كاتب كبير مثل بورخيس لا يجد غضاضة في استلهام عمل لا ينتمي الى ثقافته الغربية، فلماذا نخاف نحن من الاحتكاك بثقافات الشعوب؟ علينا ان نقرأ الشيء في ذاته، ونرى كم هو مبدع وخلاق وكم يضيف الى المنجز الابداعي للغته بغض النظر عن المصادر والتأثيرات التي تقيم في أساسه، حتى لا تتكلس ثقافتنا وتقيم في غياهب التاريخ الذي لا يرحم الأمم التي لا تسعى على الدوام الى تجديد ذاتها وابتكار هويتها على مدار الزمان.