في زمنٍ بات فيه (الستوري) نشرةً مالية يومية، لم تعد النعمة تُعاش في سكينة البيوت، بل تُدار كحملة علاقات عامة. مائدة عشاء تُقدَّم وكأنها إعلان فائض في ميزانية الرفاه، سيارة جديدة تُدرج ضمن الأصول الثابتة، ورحلة بعيدة تُعرض كدليل نموٍّ في رصيد الرفاه الشخصي. حتى الهدايا تُفتح أمام العدسة كأنها إعلان ارتفاع في رصيد القبول الاجتماعي، فنعدّ المال، ونحصي المتابعين، ونراقب مؤشرات الإعجاب كما تُراقَب أسعار الأسهم، ثم نطمئن لأن الرسم البياني صاعد... ولو كان منحنى الرحمة في هبوطٍ حاد. هكذا صارت الحياة جدولًا بيانيًا، وصار الشعور يُقاس بمؤشرات. نعدّ الأصفار على يمين الأرقام في حساباتنا، ونغفل أن أخطر أنواع الإفلاس لا تكشفه الشاشات المصرفية، بل تعلنه فراغات الضمير. القرآن لخّص هذا الوهم بقوله تعالى: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ). العدّ هنا ليس مجرد رقم، بل شعورٌ هشّ بالأمان، يوهم صاحبه بأن التراكم حماية، وبأن الكثرة نجاة. نحسب أن الرصيد درعٌ في وجه الزمن، وأن فائض الظهور يمنحنا وهم البقاء، وأن الحضور المتكرر يصنع لنا عمرًا أطول في ذاكرة العابرين. غير أن الذاكرة تنسى الصور سريعًا، ولا يبقى فيها إلا أثر المواقف الصادقة. الغنى ليس خطيئة؛ فالمال نعمة واختبار، ووسيلة لإعمار الأرض وإسناد المحتاج. لكن الفارق لا يُقاس بحجم الرصيد البنكي، بل بحجم الرصيد الإنساني. هناك من ترتفع أرباحه عامًا بعد عام، بينما رصيد التعاطف في ميزانيته صفر. يراجع أصوله بدقة، ولا يراجع أثره في قلب أمٍّ تنتظر مساعدة، أو عاملٍ أثقلته الديون، أو طفلٍ ينتظر فرصة. وقد تمرّ أمامه احتياجات كثيرة، لكنه يؤجلها كما تؤجل الديون الصغيرة، حتى تتراكم في كشف حساب ضميره دون أن يشعر. حتى الصدقات لم تسلم أحيانًا من منطق العرض؛ تُوثَّق وتُعلن كإنجاز شخصي. تُلتقط الصورة قبل أن تجفّ دمعة المحتاج، فيتحوّل العطاء من سترٍ جميل إلى مشهدٍ قابل للمشاركة. وكأن القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بصدق النيّة. غير أن العطاء الحقيقي يولد في الخفاء، في لحظة لا يراها سوى الله، حين تمتد يدٌ ليدٍ دون ضوءٍ أو تصفيق. هناك تُكتب القيمة الحقيقية، لا في التعليقات، بل في الطمأنينة التي تعود إلى قلبٍ منكسر. ويأتي التصحيح النبوي العميق: «اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة». نصف تمرة فقط... لكنها قد تساوي عند الله جبالًا من أرقامٍ عظيمةٍ في أعين الناس، بالغة الأثر. النجاة لا بكثرة ما جُمِع، بل بصدق ما أُعطي، وبالقلوب التي خرجت من بين يديك أخفّ حزنًا وأكثر طمأنينة. في النهاية ستتوقف الإشعارات، وتُغلق التطبيقات، وتسقط الأصفار من يمين الأرقام، ويبقى سؤال واحد في كشف الحساب الأخير: هل جمعنا مالًا وعدّدناه... أم خرجنا من الدنيا برصيدٍ من الرحمة لا يُقاس بالأرقام؟