في مرحلة التحول الوطني التي تعيد تشكيل بنية الاقتصاد وتوسع قاعدته الإنتاجية، يصبح احتساب التكلفة بدقة جزءاً من قوة النمو لا قيداً عليه. فالاقتصاد الذي لا يُدرج كلفته البيئية ضمن جدواه الفعلية ينقل جزءاً من أعبائه إلى المالية العامة في صورة التزامات مؤجلة أعلى كلفة وأقل مرونة. ومن ثم فإن الفصل بين النشاط وأثره لا يخلق ضغطاً آنياً، بل يؤسس لاختلال يتراكم تدريجياً ويضعف كفاءة توزيع الموارد على المدى الطويل، ويقيد قدرة منظومة القرار على التحرك بثبات واستقرار. اختلال توزيع الكلفة كان النموذج التمويلي الذي خدم مرحلة التأسيس المؤسسي مناسباً لبناء الأطر التنظيمية وتوسيع بنيتها وترسيخ قواعد العمل البيئي. إلا أن المرحلة الراهنة تختلف في طبيعتها، إذ ترتبط بتنفيذ مستهدفات واضحة ضمن أطر زمنية محددة وفي سياق توسع اقتصادي متسارع متعدد القطاعات. ومع استمرار التمويل بالنمط ذاته في ظل اتساع النشاط وتزايد التزاماته، ينشأ تفاوت بين حجم الأثر الفعلي والتكلفة التي يتحملها النشاط نفسه. وهذا التفاوت لا يظهر في صورة ضغط مباشر، لكنه يقود إلى تراكم أعباء مؤجلة، ويبقي جزءاً من الكلفة خارج نطاق القرار الذي أوجدها. وفي ضوء اتساع القاعدة الإنتاجية وتكثف الالتزامات الوطنية، تبرز الحاجة إلى ضبط توزيع الأعباء بما ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها ويرسخ الاستقرار المؤسسي. إعادة توجيه المسؤولية ولا يعني تحقيق التوازن فرض التزامات إضافية، بل تصحيح سياقها الطبيعي. فربط التكلفة بدرجة التأثير يعيد الانسجام بين القرار الاقتصادي ونتيجته، ويحول دون انتقال العبء إلى خارج دائرته المنطقية. ويقوم هذا التحول على الانضباط لا العقوبة؛ إذ كلما تقاربت الكلفة الفعلية مع الكلفة المحتسبة، تحسن مستوى القرار وأعيد تشكيل الحوافز بصورة أكثر اتساقاً مع المصلحة العامة، وتراجعت الحاجة إلى تدخلات تصحيحية متأخرة وأكثر تعقيداً. وعلاوة على ذلك، يسهم هذا التصحيح في الحد من تراكم التزامات مستقبلية قد تولد ضغوطاً غير متوقعة على المالية العامة. فالكلفة التي لا تُحتسب في موضعها الصحيح لا تختفي، بل تنتقل إلى مرحلة تصبح فيها المعالجة أعلى كلفة وأقل مرونة وأكثر حساسية للتوقيت. وكلما تأخر احتسابها ضمن النشاط الذي أوجدها، تقلصت البدائل وارتفعت احتمالات التدخل المكلف. ومن هنا فإن اعتماد منهج يعيد توزيع المسؤولية بصورة متوازنة يعزز قدرة التخطيط بعيد المدى، ويحصن الاستقرار المالي دون أن يقيد مسار النمو أو يثقل حركته. نحو استقرار مستدام التحول البيئي في سياق المملكة ليس ملفاً قطاعياً منفصلاً، بل هو جزء من إدارة مرحلة انتقال اقتصادي واسعة النطاق تتداخل فيها اعتبارات النمو والاستدامة والانضباط المالي. ويقاس النجاح في هذه المرحلة بقدرة المنظومة على تصحيح مسارها كلما اختل التوازن، وبمدى احتساب كلفتها كاملة في موضعها الصحيح منذ البداية، لا بعد تضخم آثارها. وعليه فإن ضبط العلاقة بين النشاط الاقتصادي وكلفته البيئية لا يعد إضافة شكلية إلى الترتيبات القائمة، بل يمثل تصحيحاً منضبطاً لمسار توزيع الأعباء بما يعزز التوازن ويرسخ الاستقرار، وينقل النهج العام من إدارة النتائج بعد وقوعها إلى إدارة الدوافع قبل تضخمها، بصورة تحصن المالية العامة وتعزز كفاءة السوق في آن واحد. إن احتساب الكلفة في موضعها الصحيح ليس إجراء مالياً محدوداً ولا معالجة ظرفية، بل تعبير عن نضج إدارة المرحلة واتساقها مع حجم التحول الجاري. فمقاربة النمو بانضباط وتوازن تقلل احتمالات الضغوط غير المتوقعة، وتوسع مساحة القرار، وتحافظ على الاستقرار دون أن تقيد المسار أو تثقل حركته. وفي مرحلة انتقال اقتصادي بهذا الحجم، يصبح تصحيح توزيع الأعباء جزءاً من صون المنجز وتعزيز استدامته، لا عبئاً يحد من طموحه.