إن دراسة عقيدة الهند، وما انفصل عنها من عقائد، وما شرع لكل منها من صيام هي في الواقع دراسة لعقائد وصيام العالم القديم كله ابتداء من بربريته إلى ارتقائه مستوى الأديان الفلسفية الداعية الى عقيدة «وحدة الوجود». ثم تدخل الهند عصرًا تاريخيًا بالغزو الآري الذي وطد دعائم الديانة «البرهمية» ونشر أسفار «الفيدا» المقدسة التي استطاعت أن تمتص ما حولها من عقائد. وفوق بساط هذه العقائد تدحرجت أخطر عقيدة صحبت ديانات الهند كافة تلك هي عقيدة «التناسخ»، عقيدة تقشعر لهولها الأبدان وتنطوي على تشاؤم مرير، فالهندي لن يموت، بل سينتقل الى أجسام أخرى يظل يتردد بينها من وضيع إلى أوضع دون علم بمصيره، وربما صار في مراحل تناسخه حيوانًا أو نباتًا لكنه أبداً لن يموت. وكان الفوز للبرهمية التي أكدت أن الإنسان يستطيع بالزهد أن يمتزج في النهاية ب (براهما) ويتخلص تمامًا من التناسخ فيتوقف عذابه وتبدأ سعادته، وبدا الزهد والمعرفة نعمة الأمن، فسرعان ما انتشر الزهد ونشر معه ألوانًا عديدة من الصيام تعج بها أسفار الفيدا. أما اليوجية فغرضها الأصيل هو «فصل العقل عن الجسد» ليبلغ الإنسان التنوير الأعلى في حياة واحدة بأن يكفر في وجود واحد عن كل الخطايا التي اقترفها في تجسدات روحه الماضية كلها، وانتهت هذه العقيدة بأقطابهم أن يقيموا على صيام دائم أبدًا تاركين الجسد يستمد قوته من الشمس مباشرة. والجانتية والبوذية ظهرتا عندما بدأت أمواج الزندقة في البرهمية تنتشر، وفي الحق أن كلا المذهبين صرفه الإلحاد عن البرهمية ورده التناسخ اليها، فما هي إلا دورات من الصراع حتى استسلمت كلتا الديانتين لسلطان البرهمية. ويختلف كبار الكهنة البرهميين في واجب الصيام، فطبقة «السيناتا» تصوم يوميًا فترة تبدأ بغروب الشمس وتنتهي بغياب الشفق الأحمر، وفيما عدا ذلك يجب على الكهنة عمومًا أن يصوموا أول كل فصل من فصول السنة. الصيام من البداية حتى الإسلام – د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية*