بين الحبال والعادات، والوعود والوجهات، نكتشف أن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل طريقة عيش.. إن أحسنّا مساءلتها، كشفت لنا مواطن الخلل فينا قبل أن تكشفها في غيرنا، وإن تركناها تقودنا بلا وعي، صرنا أسرى عباراتٍ نظنها بدهية، وهي في الحقيقة تحتاج إلى مراجعة.. في اللغة نعيش، وباللغة نفكّر، وباللغة أيضاً قد نُخدَع. الكلمات ليست بريئة دائماً؛ فهي أحياناً مرايا صافية، وأحياناً أقنعة أنيقة تخفي ما وراءها. نتداول عباراتٍ شائعة كأنها حقائق نهائية، دون أن نسأل: ماذا تقول فعلاً؟ وماذا تفعل في وعينا؟ يقولون: "حبل الكذب قصير". لكن هل هو قصير بالفعل؟ أم أننا نحن من نقيسه بساعة ضميرنا لا بساعة الواقع؟ في زمنٍ تتعدد فيه المنابر، وتتشابك فيه الأصوات، قد يطول حبل الكذب حتى يلتفّ حول الحقيقة نفسها. ليس لأن الكذب صار أقوى، بل لأننا اعتدنا سماعه حتى ألفناه. فالحبل لا يطول بذاته، بل بعُقدٍ نصنعها نحن، كلما سكتنا عن زيفٍ نعرفه، أو برّرنا خطأً لأن قائله يوافق هوانا. لعل الكذب لم يغيّر طبيعته، لكننا غيّرنا حساسيتنا تجاهه. ويقولون: "جرت العادة". وهل للعادة سيقان لتجري؟ أم أننا نحن من نُجريها إذا وافقت رغباتنا، ونوقفها إذا خالفت مصالحنا؟ العادة ليست كائناً مستقلاً، بل قراراً مكرّراً. نحن من نمنحها الحياة حين نختبئ خلفها. كم من موقفٍ تبرّر بعبارة "جرت العادة" بينما الحقيقة أن الذي جرى هو تواطؤ الصمت، أو كسل المراجعة. العادة حين تُفحَص قد تسقط، وحين تُناقَش قد تتغير، لكنها حين تُقدَّس تتحول إلى قيدٍ ناعم لا نشعر بثقله إلا بعد زمن. ويقال عن بعضهم: "بياع كلام". من أين جاء ببضاعته؟ ومن الذي اشترى؟ الكلام لا يُزرع في الحقول، بل يُصنع في العقول. غير أن السوق لا يقوم بالبائع وحده؛ بل بالمشتري أيضاً. ثمة من يهوى الوعود البراقة، والشعارات اللامعة، والكلمات التي تدغدغ الطموح دون أن تكلّفه جهداً. فالكلمة الفارغة لا تنتشر بقوتها، بل بحاجتنا إليها. ولعل أخطر ما في "بيع الكلام" أنه يُشبع الوهم، فيؤجل الفعل، ويمنحنا إحساساً زائفاً بالإنجاز. ويقولون: "قطع وعدًا". وهل الوعود تُقطَع بسكين؟ أم أنها تُقطَع حين ينفصل القول عن الفعل؟ الوعد في جوهره التزام أخلاقي، خيطٌ رفيع بين نيةٍ معلنة وواقعٍ منتظر. فإذا قُطع، لم يُسمَع له صوت، لكن أثره يبقى في القلوب. ليست المشكلة في كثرة الوعود، بل في خفّتها على الألسن وثقلها عند التنفيذ. فالوعد الصادق لا يحتاج إلى قسمٍ مغلّظ، بل إلى ضميرٍ يقظ. ثم نقول: "وجهة نظر". حتى النظر صار له وجهة، كوجهة سفر، يتجه بصاحبه حيث يشاء. الرأي ليس عيناً محايدة؛ إنه موقفٌ يختار زاويته. وكل زاوية تُظهر جانباً وتُخفي آخر. غير أن الإشكال لا يكمن في اختلاف الوجهات، بل في ادعاء أن وجهتي هي الأفق كله. حين نُدرك أن الرؤية محدودة بطبيعتها، نصير أكثر تواضعاً، وأقرب إلى الحوار. فالحقيقة لا تُختصر في منظورٍ واحد، لكنها أيضاً لا تُلغى بحجة التعدد. ويكثر في حديثنا قول: "بشكل عام". ما هذا الشكل الذي أصبح عاماً وخاصاً في آن؟ كأننا نختبئ خلف عموميةٍ مريحة، نتفادى بها التفاصيل المزعجة. العموم يُطمئن لأنه لا يُحاسَب، أما التحديد فيُلزم. وحين نُفرط في التعميم، نُسقط الفروق الدقيقة التي تصنع الفهم الحقيقي. لعل "الشكل العام" الذي احتبسنا داخله هو قالبٌ فكري نرتاح إليه، لأنه يعفينا من مشقة التفصيل. من هناك ننتقل هنا فثمّة حقيقة لا مفرّ منها: هناك أمور لن تحدث، وهذا لا علاقة له بمقدار الجهد أو عدد المحاولات. ليس كل بابٍ يُفتح بالإصرار، ولا كل طريقٍ يُمهد بالرغبة. في الحياة حدودٌ لا تُكسر، وسياقات لا تتبدل. تقبّل هذه الحقيقة ليس استسلاماً، بل نضج. أن تعرف متى تستمر، ومتى تعيد التوجيه، ومتى تترك الأمر يمضي. فالوعي بالحدود يوفّر طاقةً نهدرها أحياناً في مطاردة سراب. فمثلا يكتبون عن الحب، وفي بيوتهم من يبكي قسوة الإهمال. ليست المشكلة في الكتابة، بل في الفجوة بين القول والحال. فالكلمات الجميلة لا تكفي إن لم تُترجم إلى عنايةٍ يومية، واهتمامٍ صادق. الحب ليس نصاً يُنشر، بل سلوك يُعاش. وكلما اتسعت المسافة بين الصورة المعلنة والواقع الخفي، ازداد الإنسان انقساماً على نفسه. ومن شأن فجوة اللامفهوم أن تولّد قدرة تُسمى الراحة. حين تتكاثر الأسئلة ولا نجد لها جواباً، يمكننا أحياناً أن ندير ظهورنا مؤقتاً للشمس، ونستمتع بالظل. ليس هروباً، بل استراحة محارب. فالعقل المرهق لا يُبصر جيداً، والقلب المتعب يسيء التأويل. بعض الظل ضرورة، كي نعود إلى الضوء بوعيٍ أصفى. أما الذي يتعامل مع الحياة بقلبه، فتخدشه التفاصيل الصغيرة.. الصغيرة جداً. لأن القلب لا يقرأ الأحداث بحجمها الظاهر، بل بأثرها الخفي. كلمة عابرة، نظرة سريعة، إهمال بسيط؛ كلها قد تترك ندبة لا تُرى. غير أن الحساسية ليست ضعفاً دائماً؛ إنها دليل حياة. فالقلب الذي يتألم، هو قلب ما زال نابضاً بالمعنى. ويبقى القول: بين الحبال والعادات، والوعود والوجهات، نكتشف أن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل طريقة عيش.. إن أحسنّا مساءلتها، كشفت لنا مواطن الخلل فينا قبل أن تكشفها في غيرنا، وإن تركناها تقودنا بلا وعي، صرنا أسرى عباراتٍ نظنها بدهية، وهي في الحقيقة تحتاج إلى مراجعة. هكذا تبدأ الفلسفة: بسؤالٍ بسيط عن كلمةٍ معتادة.