ثمة مواسم تمرّ علينا كتواريخ عابرة، وثمة موسم يأتينا كحالةٍ شعورية كاملة. رمضان ليس شهرًا يُضاف إلى العام، بل مساحة زمنية تتكشّف فيها أرواحنا على مهل، نرى من خلالها أنفسنا بوضوح أكبر، ونسمع صوت قلوبنا بعد عامٍ من الضجيج، ونكتشف أن في الداخل أشياء كانت تنتظر هذا الضياء. يأتي رمضان فنهدأ دون أن نفهم التفاصيل؛ تخفّ وتيرة الركض، وتلين الكلمات، ويصبح للدعاء وزنٌ مختلف، كأنه يتصاعد من أعماقٍ لم نصلها من قبل. في هذا الشهر لا نصوم عن الطعام فحسب، بل نصوم عن القسوة والعجلة، وعن كل ما استهلك أرواحنا ونحن نظن أننا أقوياء. يأتي رمضان فيعيد ترتيب حياتنا، ويعلّمنا أن القوة ليست في الاحتمال وحده، بل في اللين، في الصبر والمثابرة، وأن الامتلاء الحقيقي لا يكون بما نملكه، بل بما نتحصّل عليه. لكن رمضان لا يأتي خاليًا من الذكريات... يأتي محمّلًا بأسماءٍ لم تعد تجلس معنا، بكراسٍ فارغة على أطراف الموائد، بضحكاتٍ كانت تسبق أذان المغرب ثم صارت حنينًا. نجلس حول المائدة فنكتشف أن للغياب صوتًا، وأن الفقد في رمضان أكثر وضوحًا؛ لأن القلوب تكون أصدق، وأقرب إلى الإحساس. نتذكر من كانوا ينتظرونه بشوق، ومن كانوا يوقظوننا للسحور، ومن كانت دعواتهم تسبقنا إلى السماء، فيكبر الحنين... ولكن يكبر معه اليقين، فنرفع أكفّنا بالدعاء، ليس لأنهم غابوا، بل لأننا نؤمن أن الرحمة أوسع من المسافات، وأن الله إذا أخذ أحبّته إلى جواره، فإنه لا يأخذهم إلا إلى سعةٍ أعظم. رمضان لا يوقف الألم، لكنه يربّت عليه، يوزّع رياحين السلوان ببذخ، لا يمحو الفقد، لكنه يمنحه قيمة الصبر. يعلّمنا أن نحسن البقاء، وأن نُكرم الذكرى، وأن نقول لمن نحب ما نشعر به الآن... قبل أن يصبح الكلام مؤجّلًا. في لياليه نقف بين يدي الله أخفّ مما كنّا، وكأن الشهر جاء ليقول لنا: ما زال في القلب متّسع للنور، وما زال في الروح قدرة على البدء من جديد. وحين يمضي رمضان، لن يكون السؤال: ماذا انتهى؟ بل: ماذا تغيّر فينا؟ لأن هذا الشهر لا يأتي ليملأ أيامنا فقط، بل ليوقظ أرواحنا، ويعيد إلينا إنسانيتنا، ويذكّرنا أن الحياة أقصر من أن نؤجل الحب، وأقصر من أن نؤخر الاعتذار، وأقصر من أن نعيش بلا أثر، فإذا كان رمضان بين الفقد والطمأنينة، بين الحنين والرجاء، بين الغياب والحضور... فهل سنغادره كما دخلناه، أم سنخرج منه بقلوبٍ أصدق مما كان؟ نجود عبدالله النهدي