شهر رمضان المبارك ليس شهراً نعد أيامه، بل موسماً تستيقظ فيه الأرواح من غفلتها، وتستعيد القلوب بوصلتها نحو السماء. نستقبله بفرحٍ يعرفه كل مسلم، فرح الطمأنينة، وفرح العودة، وفرح الشعور بأن بيننا وبين الله باباً قد فُتح على مصراعيه، ففي رمضان تخف وطأة الدنيا، ويعلو صوت القرآن الكريم، وتصفو النيات الطيبة وتصوم الجوارح عن الخطايا، ويشعر المرء أنه أقرب ما يكون إلى نفسه الحقيقية، حتى ليتمنى لو كل شهور العام رمضان. شهر رمضان شهر تتبدل فيه العادات لتصبح عبادات، ويستثمر فيه الوقت ليغدو عمراً، وتتحول اللحظات الصغيرة إلى نفحات عظيمة، نصوم فنتربى، ونقوم فنتهذب، ونتصدق فنتطهر، ونناجي الله بقلوب منكسرة راجية، وعيون دامعة طامعة في رحمته تعالى. لكن هذا الفرح لا يخلو من (وجع شفيف) إنه وجع الغياب والحنين للغياب الذين افتقدناهم، وجع الشوق لوجوه ألفناها في رمضانات مضت، كانت معنا على موائد الإفطار، وفي صفوف الصلاة، وفي دعوات السحر، وجوه نبحث عنها هذا الرمضان فلا نجدها حولنا، فنستحضرها بالدعاء، ولا غيره نملك، موقنين أن ما عند الله خير وأبقى، وأن تلك سنة الأعمار، فهم سبقونا فقط؛ لأن حياتنا الدنيا خلطة من لقاء وفراق، وفرح وترح، وكلٌّ بأجل مسمى على وعد. غير أن رمضان يعلّمنا أن الفقد يعني أن نعمل، فالذكر فيه عبادة، والدعاء يصل حيث تعجز الأقدام. لهذا نحن نستقبل الشهر بفرح المؤمن، ونودع أحبابنا برضا المؤمن، ونمضي واثقين أن الله لطيف بعباده لأننا قد أمنا به وهو خالقنا أرحم منا بنا، وأن رحمته أوسع من أحزاننا، فرمضان مبارك عليكم جميعاً، وجعلنا الله فيه وإياكم من المقبولين.