يشهد القطاع المتحفي في المملكة العربية السعودية توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، هذا الانتشار يدعو للتساؤل: هل التخصصات الأكاديمية في جامعات المملكة تواكب هذا النمو فعلًا؟ المتحف اليوم تغيرعن طريقته الصامتة في العرض، وأصبح مؤسسة متكاملة تحتاج إلى باحثين، ومرممين، ومصممين، وإداريين، وخبراء قانون، وغيرهم يعملون جميعًا في منظومة واحدة. وجود مؤسسات مثل المتحف الوطني السعودي ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، إضافة إلى المشاريع التي تديرها هيئة تطوير بوابة الدرعية، يعكس تحوّلًا حقيقيًا في حضور المتحف في المشهد الثقافي السعودي. غير أن المنشآت وحدها لا تصنع تجربة متحفيه ناجحة؛ إنما الكفاءات هي التي تديرها وتمنحها الروح المهنية. أول ما يخدم سوق العمل المتحفي هو تخصص دراسات المتاحف (Museum Studies)، هذا المجال يُعنى بإدارة المجموعات، وتنظيم المعارض، وكتابة النصوص التعريفية، والتواصل مع الجمهور، تكمن المشكلة في طريقة تدريس هذا التخصص حيث يغلّب الجانب النظري ويقل التدريب الميداني، فيتخرج الطالب وهو يعرف المفاهيم لكنه لم يختبر تفاصيل العمل اليومي داخل المتحف. سوق العمل يحتاج إلى مهارات عملية واضحة مثل: إدارة قاعدة بيانات المقتنيات، وإعداد خطة عرض، والتعامل مع القطع بحذر ومسؤولية. وفي هذا السياق، أطلقت هيئة المتاحف عام 2024م برنامج الدبلوم العالي في الدراسات المتحفية بالشراكة بين كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن وجامعة عفت، وهو أول برنامج متخصص من نوعه في المملكة، يهدف إلى تأهيل الطلاب للعمل في أدوار أمناء المتاحف والقائمين على المعارض ومصممي السرد المتحفي، وتُعدّ هذه الخطوة بادرة واعدة، غير أنها تظل محدودة النطاق أمام حجم الطلب المتنامي في القطاع. أما علم الآثار والتاريخ (Archaeology & History) فهما يمدّان المتحف بمادته الأساسية، لكن قيمتهما تزداد حين يتصلان بمهارات العرض والتفسير. ليس كل باحث في التاريخ قادر على تحويل المعرفة إلى محتوى مفهوم وجذاب للزائر، لذلك يصبح من الضروري أن تتقاطع هذه التخصصات مع مهارات السرد الثقافي وكتابة المحتوى، ويُعدّ قسم الآثار والمتاحف في جامعة الملك سعود، الذي تأسس عام 1978م، أول قسم أكاديمي متخصص في هذا المجال بالمملكة، كما افتُتحت أقسام مماثلة في جامعتَي جازان وحائل عام 2009م، واستحدثت جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن برنامج بكالوريوس الآثار والمتاحف الذي خرّج أولى دفعاته عام 2024م، وتقدّم كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود برامج للدراسات العليا تشمل الماجستير والدكتوراة في الآثار وإدارة موارد التراث. ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة إلى تضمين مهارات التفسير المتحفي والسرد البصري ضمن هذه البرامج. ومن أكثر التخصصات حساسية في العمل المتحفي تخصص الترميم والحفظ (Conservation &Restoration)، فالقطعة الأثرية بقدر ما تحتاج إلى عرض جميل، تحتاج أيضًا إلى بيئة تحميها من التلف. هذا المجال يتطلب إعدادًا علميًا دقيقًا في علوم المواد والكيمياء، مع التزام بالمعايير المهنية التي تعتمدها جهات مثل المجلس الدولي للمتاحف (ICOM)، ومع ازدياد التعاون الدولي والمعارض المشتركة في المملكة، يصبح وجود كوادر وطنية متخصصة في هذا المجال ضرورة لا خيارًا. وقد شهدت جامعة الملك سعود مناقشة أول رسالة دكتوراة في مجال ترميم الآثار داخل المملكة، إلا أن هذا التخصص لا يزال يعاني من ندرة واضحة في أعداد المؤهلين علميًا وعمليًا، وهو ما يستدعي استحداث برامج أكاديمية متكاملة تجمع بين الكيمياء التحليلية وعلوم المواد وتقنيات الحفظ الوقائي، بدلًا من الاكتفاء بمقررات فرعية ضمن أقسام الآثار. القانون الثقافي (Cultural Law) أيضًا يدخل بقوة في المجال المتحفي، تحتاج المتاحف إلى متخصصين في قضايا المُلكية، والإعارات، والهبات، وتنظيم حركة القطع بين الدول يفهمون الاتفاقيات الدولية التي ترعاها منظمات مثل اليونسكو (UNESCO)، هذا التخصص ما يزال محدود الحضور أكاديميًا، رغم أهميته المتزايدة في سوق العمل المتحفي، وتمتد الفجوة إلى ندرة المقررات الجامعية التي تتناول تشريعات حماية الآثار واتفاقيات استرداد الممتلكات الثقافية ضمن كليات القانون القائمة، وهي مساحة تستحق اهتمامًا أكاديميًا عاجلًا. ولأن المتحف لم يعد يعتمد على العرض التقليدي، دخلت تخصصات التصميم والوسائط الرقمية (Design & Digital Media) إلى قلب العمل المتحفي وأصبحت عناصر أساسية في جذب الجمهور، لكن التحدي الذي تواجهه المتاحف هو تحقيق التوازن بين الانبهار البصري الذي تُتيحه التقنية وبين عمق المحتوى الثقافي الذي يمنح الزائر تجربة ذات معنى؛ فالتقنية وسيلة لدعم الفكرة وليست بديلًا عنها. وتوفر عدد من الجامعات السعودية برامج في التصميم الداخلي والوسائط الرقمية، منها جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة دار الحكمة. غير أن هذه البرامج تُركّز غالبًا على التصميم السكني والتجاري، وتفتقر إلى مسارات متخصصة في تصميم الفراغات المتحفية والمعارض. والإدارة الثقافية والتسويق (Cultural Management & Marketing) من التخصصات الأساسية، حيث يحتاج المتحف إلى إدارة واعية تخطط للبرامج والفعاليات وتبني علاقة مستمرة مع الجمهور، وعلى الرغم من توفر برامج إدارة الأعمال والتسويق في معظم الجامعات السعودية، إلا أن تخصص الإدارة الثقافية، كتخصص مستقل يجمع بين فنون التخطيط الاستراتيجي والوعي بخصوصية المؤسسات الثقافية، لا يزال حضوره الأكاديمي محدودًا. وثمّة تخصصات لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام في السياق المتحفي السعودي، فالتعليم المتحفي (Museum Education)، الذي يُعنى بتصميم البرامج التثقيفية وورش العمل وتحويل المعرض إلى تجربة تعلّم فاعلة للزوار والمدارس والأسر، يكاد يكون غائبًا كتخصص أكاديمي مستقل، رغم أنه الأساس الذي تقوم عليه الرسالة التربوية لأي متحف معاصر، كذلك يغيب تخصص الأنثروبولوجيا (Anthropology) عن كثير من النقاشات المتحفية، مع أنه يمنح المتاحف الأثنوجرافية ومتاحف التراث الشعبي عمقًا في فهم السياقات الثقافية والاجتماعية للمقتنيات، يتجاوز السرد السطحي. أما الإرشاد فهو الواجهة الأساسية التي يلتقي عندها المتحف بزائره؛ إذ يحتاج المرشد المتحفي (Docent) إلى معرفة تاريخية وأثرية راسخة، ومهارات تواصل وسرد قادرة على تحويل الجولة من جولة عابرة إلى تجربة لا تُنسى. الملاحظة الأهم أن غالبية التخصصات موجودة، لكن التكامل بينها لا يزال يحتاج إلى تعزيز يتمثّل في تفعيل شراكات برامج تدريب تعاوني تجمع طلاب الآثار مع طلاب التصميم والإدارة والقانون في بيئة عمل متحفيه واحدة، المتحف بطبيعته مساحة عمل جماعي، وأي عزل بين هذه التخصصات سيضعف النتيجة النهائية المرجوة. وفي ضوء هذا المشهد المتسارع، يتّضح أن سوق العمل المتحفي في المملكة يرسم ملامحه بوتيرة لافتة، فاتحًا أمام الشباب آفاقًا مهنية لم تُطرح من قبل، نجاحه يكمن بقدرة التخصصات الأكاديمية على إعداد كوادر تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، عندما يتحقق هذا التوازن، يصبح المتحف مساحة تعلّم تحقق الأهداف، وتُثبت أن بناء الإنسان هو الأساس الذي يُقام عليه كل بنيان متحفي.