هل يمكن للقرآن أن يُعرَّف تعريفًا منطقيًا جامعًا مانعًا، كما تُعرَّف الظواهر الفكرية أو النصوص البشرية؟ ويقرر أن هذا السؤال في ذاته يكشف عن طبيعة القرآن الفريدة؛ فهو نص يتجاوز القوالب المنطقية الصارمة، دون أن يخرج عن دائرة التعريف العلمي المنضبط. فالتعريف المنطقي المعتاد يقوم على إدراج الشيء تحت جنس عام ثم تمييزه بفصل خاص، غير أن القرآن لا يندرج اندراجًا طبيعيًا تحت جنسٍ بشري معروف. فهو ليس شعرًا، ولا نثرًا، ولا قانونًا وضعيًا، ولا كتاب فلسفة، ولا مجرد نص ديني تعبدي. وكل محاولة لحصره في واحد من هذه الأجناس تُفقده جوهره، وتُسقط عنه خصائصه الأساسية. ومع ذلك، يمكن تحديد القرآن تحديدًا وصفيًا دقيقًا، يُبرز عناصر هويته دون اختزال. فهو كلامٌ إلهي، نزل من عند الله، بوساطة الوحي، على محمد صلى الله عليه وسلم، بلفظه العربي، حاملاً رسالة هداية وتشريع، ومشتملًا على إعجاز ذاتي يجعله متعاليًا عن المعارضة البشرية. هذا التحديد لا يسعى إلى احتواء القرآن داخل قالب عقلي ضيق، بل يضع له حدودًا تعريفية تحميه من الخلط بغيره. ويؤكد ذلك أن عجز التعريف المنطقي الصارم عن الإحاطة بالقرآن ليس نقصًا في القرآن، بل قصورًا في الآلة التعريفية نفسها. فالقرآن كائن نصي فريد، له شخصية مستقلة، تُدرك بالمشاهدة والتذوق كما تُدرك بالتحليل والاستدلال. ولذلك فإن أصدق تعريف له هو ما يفرضه حضوره الذاتي على السامع والقارئ، لا ما يُفرض عليه من خارج. وهكذا يصبح السؤال عن تعريف القرآن مدخلًا لإثبات تفرده، لا وسيلة لتقليصه، ودليلًا على أنه وحي لا يُقاس بغيره، ولا يُعرف إلا بنفسه.