المعرفة هي تلك الدوائر المتماسة والمتقاطعة في الوقت نفسه، وهي حصاد ذلك التراكم المعرفي من تاريخ الإرث الإنساني، ولذلك كان الأنس بالتاريخ والموروث هو حلقة التواصل المعرفي المتصل بالوجدان والعاطفة.. إن البحث عن المعرفة هو ما يجعل الإنسان في ذلك القلق الدائم وهي ما نطلق عليه ب(حمى المعرفة).. فإن ما أوقد جذوة هذا المقال، هو حضوري ندوة بالأمس حول كتاب للكاتب السعودي حامد الشريف بعنوان "كي تكون مبدعا" وكان في أحد الصالونات الفكرية بالقاهرة، حيث وجدت ذلك الخلط الكبير في مفهوم المعرفة والإبداع من قِبل كثير من النقاد المحترفين، وكيف أن كثيرا قد خلطوا بين المعرفة والموهبة والفطرة والعقل والعاطفة، وهو أمر ليس بالهين وخاصة عندما يكون ذلك لدى نقاد كبار متخصصين! إنّ الإبداع مصدره المعرفة، وقضية المعرفة وارتباطها بالإلهام، هي قضية أزلية من قبل أفلاطون وحتى الآن. فقد تناول أفلاطون هذه القضية في محاورة (أيون) حين برهن بالحجة والمنطق على أن المبدع لا يعي ولا يفهم تماما حقيقة الموضوعات التي قد يتناولها، وطالما افتقد للفهم الكامل فإنهما يفتقدان للصدق فيما يقدمان من موضوعات، وهكذا توصل لمبدأ عام وهي بلا شك انعدام ثقة الأنس المفعمة بالمعرفة. فمن وجهة نظره يرى أن "المبدع لا يعي لا يوصل إلى معرفة الحقيقة". فهو هنا في حالة غربة عن المعرفية والتي تسبب له ذلك القلق للبحث عنها، ولذا فهو يطالب المبدع إذا ما تكلم عن الطب أن يكون على دراية تامة بعلوم الطب، وإذا تناول التاريخ فيجب أن يدرس التاريخ بتفاصيله وهذا يردنا إلى ما يسمى اصطلاحا ب (الإطار المرجعي) وهو مخزن التاريخ لديه، وبذلك ينتفي مبدأ الفطرة بأن المبدع يبدع بالفطرة بالرغم من وجود ما يسمى بالفن الفطري إلا أنه بعيد عن المعرفة وعن الحقيقة. أما كيف يستطيع المبدع أن يصيغ فكرة ما قد لا يدرك تفاصيلها تماما فى قالب فنى مؤثر، فهذا ما تناوله أفلاطون فى كتاب "الجمهورية" تحت عنوان الجنون أو الإلهام أو الجنون المقدس، فقد أقر أن المبدع يعمل تحت تأثير قوة إلهية تحرك الشاعر كما يحرك حجر المغناطيس برادة الحديد (الإلهام). هذه القوة تنتقل من المبدع إلى المتلقي بقوة الجذب المغناطيسي، وهكذا أطلق أفلاطون على هذه القوة "لمسة الجنون المقدس: إن المبدع يوحى به إلى الرجال بسبب لمسة من الجنون المقدس". ولذا يقول الدكتور لويس عوض: "الواقع أن الأقدمين لمسوا ما بين الإبداع وما فوق الطبيعة من صلة، ترى ذلك في أتيمولوجيا اللغات واضحا وضوح الصباح، عد إلى اشتقاق كلمة "جنون" في العربية، و"جينيس" في الإنجليزية و"جيني" في الفرنسية، ثم اكشف عن معنى "جينيوس" في اللاتينية، ترى أن الجن في كل حالة مسؤولون عن التفوق الذهني كما هم مسؤولون عن الخبل العقلي، اكشف عن "العبقرية" تراها صفة تتحقق في كل من ركبته شياطين وادي عبقر بشبه جزيرة العرب، فإن تحدث إليك ناقد عربي عن "شيطان" قيس ابن الملوح فلا تصرفه هازئا بل تدبر ما تشتمل عليه عبارته من معان جمة تهمك في دراسة النقد، وإن قرأت فصلاً عن "مجنون" بني عامر فلا تحسبن أن الحب وحده قد أودي بعقله، بل تذكر أنه قال شعراً أو قولته الأساطير شعراً، ثم اتجه إلى ديوانه تستفد منه في هذا الصدد. بالجملة لم يعرف القدماء شيئا من العقل الباطن واللاوعي فنحلوا الإبداع إلى الجن والمجانين" وهو ما نختلف معه في ذلك إذ أن المعرفة والإبداع ينزحان في عصر المعلومات إلى الجماعية، ويشهد على ذلك شيوع عدد من المصطلحات التي لم تكن تذكر إلا لماما فيما مضى، من قبيل العقل الجمعي، والذكاء الجمعي، والذاكرة الجمعية والوعي الجمعي والتعلم التكافلي، والتعلم المؤسسي، والإبداع الاجتماعي، والفن أيضاً الذي كان يزهو بفرديته وتفرده أصبح هو الآخر يمارس بصورة جماعية، فكثير من أعمال الإبداع الفني صارت تبنى من شظايا فنية، أدبية أو موسيقية أو تشكيلية، أو من موتيفات فنون الأداء الصوتي أو الحركي، تجمع من مصادر مختلفة، ليضطلع بمهمة ادماجها في عمل فني متسق، من طرف أو عدة أطراف، تشارك في القيام به (الفن التنموي). يقول كارل مانهايم: "إن المعرفة لا يمكن أن تنتقل تلقائياً عبر الفئات الاجتماعية التي ولدتها، في صورتها الغفل، من دون تدخل نخبة ثقافية، تخلص هذه المعرفة الغفل من الشوائب الذاتية (الفردية) والتأثيرات الاجتماعية الضارة". ومن هنا كان لا بد من تناول الآراء النقدية ودور النخبة وثقافة النخبة في التواصل فكيف إن ضلوا واختلطت مفاهيمهم كما في تلك الندوة، حيث إنه إذا انفصل الخطاب وانحصر على النخبة وفي دوائر نخبوية كانت الغربة، وهي فاجعة من فواجع الثقافة والمعرفة. وقد آمن أفلاطون بأن العقل هو وسيلة الوصول للحقيقة الكامنة فى عالم المثل والمعرفة القائمة على العقل المتصل بالحواس الخمس كما أقره الفلاسفة المسلمون قديما أسموه بالمتخيلة التي هي منبع الإبداع والمعرفة ولكنهم كي يحمونها من الخلل إذ ربطوها بما أسموه بالقياس العقلي، بينما أنكر أفلاطون الحواس كوسيلة للمعرفة لأنها تدرك فقط الأشياء الموجودة فى حياتنا، وهى ليست إلا ظلالا للحقيقة الصامتة، كما أن الحواس يمكن أن تضلل فهي ليست معصومة من الخطأ، وبالتالي فالمعرفة متغيرة ونسبية. فالمعرفة هي تلك الدوائر المتماسة والمتقاطعة في الوقت نفسه، فهي معدية بالمتعة واللذة الجمالية والتي هي نتاج المعرفة حين يزول ذلك القلق المحموم بالسعي نحو الكمال. والمعرفة هي حصاد ذلك التراكم المعرفي من تاريخ الإرث الإنساني، ولذلك كان الأنس بالتاريخ والموروث هو حلقة التواصل المعرفي المتصل بالوجدان والعاطفة. ولذلك يقول الدكتور لويس عوض -هو أستاذي بطبيعة الحال-: "الإنسان الفرد، بعقله وابتكاراته، وسعيه الحثيث صوب الأصوب والأشمل والأعمق والأجدى، كان -وسيظل- مصدر المعرفة على مر العصور، وتدين الإنسانية بالفضل إلى أولئك العظام من الرجال والنساء ممن أقاموا صروحاً فلسفية شامخة، واكتشفوا حقائق علمية مبهرة، أو أبدعوا اختراعات خارقة، أو دشنوا مذاهب شقت مسالك جديدة في مجالات الإبداع الفكري والفني المختلفة. وتكمن المعرفة الفردية في عقل صاحبها، لتشكل اقتناعه وخياراته وأنماط أفكاره، وهي إضافة إلى سلفه، تهبه "سلطة المعرفة". ولذا نقول إن المعرفة كامنة فيما أسميناه العقل الكوني، cosmic mind وهي منطقة لا يخترقها سوى المبدعين تلك المنطقة التي يحاول المتصوفون الوصول إليها عن طريق الذكر فيما يسمونها لحظة الوصل، وهي لحظة التجلي التي ينهل منها المبدع عمله إذا ما نجح في الوصول إليها ولكن بعد امتلاء إطاره المرجعي بالتاريخ الإنساني والثقافي وليس بالفطرة؛ إنها منطقة اللذة المفعمة بالمعرفة.