مفهوم (تربية الوعي الإعلامي) هو مسار تعليمي يهدف إلى تمكين الفرد من فهم طبيعة وسائل الإعلام، وآلياتها، والرسائل التي تنتجها وتعيد تداولها داخل المجتمع. وتقوم مبادئ تربية الوعي الإعلامي على اكتساب مهارات استخدام الوسائل والتعامل التقني معها، وتركز بشكل أساسي على بناء قدرة نقدية واعية تتيح للمتلقي تحليل المحتوى الإعلامي، وكشف افتراضاته وسياساته الضمنية، وذلك عن طريق كشف ما فيه من تحيز أو تضليل أو توجيه مقصود. والتربية الإعلامية تقوم على إدراك أن الإعلام ليس مرآة محايدة للواقع، بل هو بناء رمزي يخضع لمصالح اقتصادية وسياسية وثقافية. ومن هذا المنطلق، تسعى تربية الوعي الإعلامي إلى تحويل الفرد من متلقي سلبي إلى مشارك فعال قادر على الفهم والتحليل والتفسير، بما يعزز استقلاله المعرفي ومشاركته المسؤولة في الفضاء العام. ومن منظور تاريخي، نشأت مفاهيم التربية الإعلامية في سياق القلق المبكر من تأثيرات الصحافة والسينما ثم الإذاعة والتلفزيون، خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية منذ النصف الأول من القرن العشرين. ففي بريطانيا وكندا ظهرت مبادرات تعليمية مبكرة تهدف إلى تعليم الطلاب قراءة النصوص الإعلامية كما تقرأ النصوص الأدبية، ومع ستينات وسبعينات القرن العشرين، ومع ظهور الدراسات الثقافية والنظريات الإعلامية النقدية، تطورت التربية الإعلامية بوصفها مجالاً نقدياً مرتبطاً في البداية بالدراسات الثقافية في بريطانيا، ثم انتقلت لاحقاً الى أميركا الشمالية في سياق التربية الوطنية وتنمية التفكير الناقد. يعد الباحث البريطاني لين ماسترمن من الرواد المؤسسين للتربية الإعلامية في صورتها النقدية الحديثة، وله كتاب شهير بعنوان (تدريس الإعلام) ساهم من خلاله في ترسيخ فكرة أن الهدف الجوهري من التربية الإعلامية هو تنمية التفكير النقدي وفهم علاقات الإنتاج والهيمنة داخل الخطاب الإعلامي، مع تركيز واضح على تحليل العديد من المفاهيم الإعلامية مثل الصور الذهنية والاحتكار والتحيز، وربط التربية الإعلامية بالمواطنة الواعية. وعلى المستوى الدولي، لعبت اليونسكو دوراً محورياً في تعميم مفهوم التربية الإعلامية وربطه بحقوق الإنسان والمواطنة والمشاركة المجتمعية. وقد طورت المنظمة مفهوم (محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية) بوصفه إطاراً شاملاً يجمع بين فهم الإعلام وفهم المعلومات ومصادرها، ودعت اليونسكو إلى دمج هذه المفاهيم في المناهج التعليمية، خصوصاً في الدول النامية، كما أصدرت أدلة تدريبية وبرامج للمعلمين والمعلمات في هذا المجال. ورغم هذا الانتشار، تعرضت مفاهيم التربية الإعلامية لعدة انتقادات، من أبرزها أنها في كثير من السياقات تحولت إلى خطاب وصفي عام يفتقر إلى العمق النقدي، أو إلى مهارات تقنية سطحية لا تمس البنى الاقتصادية والسياسية للإعلام، كما انتقد بعض الباحثين اختزال التربية الإعلامية في حماية الأطفال فقط، بدلاً من النظر إليها بوصفها مشروعاً مجتمعياً شاملاً. لذلك، يسعى القائمون على برامج التربية الإعلامية حالياً إلى التركيز على جوهر المفهوم القائم أساساً على التفكير الناقد وأهميته خصوصاً في العصر الرقمي. ففي وقتنا الحاضر، دخلت التربية الإعلامية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، ولم يعد التحدي محصوراً في فهم وسائل الإعلام التقليدية، بل في فهم منصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، والخوارزميات واقتصاد الانتباه. من هنا، ظهر مفهوم (تربية الوعي الرقمي) بوصفه امتداداً ضرورياً لتربية الوعي الإعلامي، ويقصد به تمكين الأفراد من فهم كيفية تشكل المحتوى الرقمي، وكيف تنتشر الأخبار الكاذبة، وكيف تستثمر البيانات الشخصية، وكيف تؤثر المنصات في تشكيل الرأي والسلوك. ختاماً، أهمية تربية الوعي الإعلامي اليوم لا تتعلق فقط بالحماية من التضليل، بل أيضاً بالحفاظ على الاستقلال المعرفي للفرد، وبتمكينه من المشاركة الواعية في الفضاء الرقمي.