مع تزايد حجم المحتوى، تبرز الحاجة إلى سياسات وطنية للتربية الإعلامية داخل المدارس والجامعات؛ حتى يغدو الوعي الإعلامي مهارة حتميّة، تمنح المتعلم قدرة على فهم الرسائل، وتحليل الصور، واستيعاب أثر الكلمات المتدفقة عبر الوسائط الرقمية.. في عالمٍ يتّسع كل صباح بتقنيات جديدة، ويتحوّل فيه الإنسان إلى نقطةٍ صغيرة في فضاء رقمي لا يهدأ، يتقدّم الوعي الإعلامي ليحجز مكانه كقيمة معرفية لا يمكن تجاوزها. فالمحتوى الذي يملأ الشاشات والفضاء والأثير أصبح مكوّنًا من مكوّنات تشكيل الوعي، ومسارًا يؤثّر في الثقافة، واتجاهًا قادرًا على إعادة رسم مفهوم الحقيقة وما ورائها. وفي تقريرها «Media and Information Literacy for All: Closing the Gaps»، تُقدّم اليونسكو قراءة عميقة للفجوات التي تعترض بناء الوعي الإعلامي والمعلوماتي، وتكشف ملامح الطريق الذي ينبغي أن تتبعه الدول إن كانت تسعى إلى إعداد أجيال تمتلك المهارة والقدرة على التفكير، والتحليل، والاختيار الواعي. يُظهر التقرير أن الاعتراف العالمي بمهارات الإعلام والمعلومات بلغ مدى واسعًا، حيث أشارت مئة وواحد وسبعون دولة إلى أن هذا المفهوم ضمن سياساتها الوطنية. ومع ذلك، تتفاوت الدول في مدى التزامها بتطوير هذه المهارات داخل مدارسها وجامعاتها، فبعضها دمج التربية الإعلامية في مناهج متعددة، بينما اكتفى آخرون بتقديم مهارات رقمية تقنية لا تُنشئ وعيًا قادرًا على قراءة الرسالة الإعلامية بعمق، ولا شك أن هذا التفاوت يكشف عن حاجة العالم إلى مؤشرات أوضح، وتجارب تعليمية منهجية تُعالج هذه الفجوات بدل الاكتفاء بالاعتراف النظري. وعند النظر إلى تفاصيل التقرير، يتقدّم المشهد التعليمي ليكشف عن مناطق تحتاج إلى دعم أكبر، وبيئات تتطلّب ممارسات إعلاميّة تعليمية أكثر نضجًا؛ فالمتعلم اليوم يتعامل مع محتوى يتشكل داخل خوارزميات دقيقة، ويتنقل بين منصات تبني اهتماماته وفق أنماط لا يدركها بسهولة. ومع هذا الواقع، يصبح الوعي الإعلامي مهارة حتميّة، تمنح المتعلم قدرة على فهم الرسائل، وتحليل الصور، واستيعاب أثر الكلمات المتدفقة عبر الوسائط الرقمية. ومن موقع خبرتي في هذا الميدان الكبير بين التربية الإعلامية والوعي الإعلامي، يتكوّن يقيني بأن بناء الأجيال القادمة يبدأ من إعادة تشكيل علاقة الطالب بالمحتوى الذي يواجهه كل يوم؛ لأن التعلّم تجربة يتشارك فيها الطالب مع المعلم والبيئة الرقمية في صناعة فهم جديد للعالم، وتتكون من خلالها قدرة على النظر العميق، والتحقّق من المعنى، وإدراك الرسائل التي تظهر على السطح أو تختبئ خلف لغةٍ صامتة. وعندما يتحوّل الوعي الإعلامي إلى مهارة حياة، تُمارَس داخل اللغة والتاريخ والعلوم والتقنية، يصبح الطالب أكثر قدرة على قراءة الواقع، وأقرب إلى فهم ما يُقال وما يُقصد، وأمضى في مواجهة المحتوى المضلِّل. وتتعزز هذه المهارة عبر شراكات تجمع الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات الإعلامية، فتتشكل بيئة وطنية تساند المتعلم وتمنحه أدوات تحافظ على اتزانه المعرفي وقدرته على إنتاج محتوى مسؤول. وفي نفس المنعطف يشير التقرير إلى أن دولًا عديدة تواجه تحديات في الموارد والبنى التعليمية، ما يقلل من فرص دمج هذه المهارات بشكل فعّال في المراحل الدراسية. وفي المقابل، تُظهر تجارب بعض الدول أن تطوير السياسات المخصصة للتعليم الإعلامي يرفع مستوى الوعي داخل المجتمع، ويؤسس لجيل قادر على الفهم النقدي، ونقاش الأفكار، وتكوين رأي يستند إلى تحليل لا إلى انطباع سريع. ويمتد التحليل ليعالج أثر الذكاء الاصطناعي الذي أصبح عنصرًا حاسمًا في تشكيل الرسائل الإعلامية، فالمحتوى المُولَّد آليًا يزداد حضورًا في منصات العالم، ويحتاج المتعلم إلى أدوات تعينه على التمييز بين مصدر وآخر، وفهم الآليات التي توجه المحتوى نحو المستخدم. ويؤكد المختصون أن المهارة الإعلامية لا تنفصل عن قدرة الفرد على طرح الأسئلة، ومراجعة المصادر، والتفكير في سياق الرسالة وحضورها وتأثيرها في الرأي العام. ومع تزايد حجم المحتوى، تبرز الحاجة إلى سياسات وطنية تُعيد تنظيم هذا المجال داخل المدرسة والجامعة والفضاء الأثير. فالمهارة الإعلامية تتطلب إستراتيجية للتربية الإعلامية تمتد عبر مراحل التعليم كلّها، وتحتاج إلى تدريب للمعلمين، ومواد تعليمية متجددة، ومساحات تطبيق تُظهِر للطالب أن الوعي ليس معلومة تُحفظ، بل قدرة تتكون بالممارسة وتُصقل بالتجربة. ختامًا، اليونسكو في رؤيتها النهائية تقدّم صورة مستقبل يحتاج إلى إنسان متعلّم يمتلك القدرة على الفهم والتمحيص والإبداع والوعي معًا..؛ لأن المجتمعات التي تعتني بوعي أفرادها تُنشئ حصانة فكرية تقيها من موجات التضليل والزيف، وتفتح الباب أمام صناعة معرفة راسخة في هذا الفضاء بالوعي الإعلامي، حيث يتحوّل الإعلام من شاشة عابرة إلى مرآة تفكير، ومن محتوى زائف أو مضلل أو غير واعٍ إلى مساحة تُصاغ فيها الرؤى وتُبنى الأسئلة التي تفتح الطريق نحو الحقيقة الآمنة وأكثر.